افتتاحية – القدس الشريف وواجب الأمة


القدس الشريف ليس بقعة أرضية كبقية البقاع، ولا مدينة كأي المدن، ولا مسجدها الأقصى كبقية المساجد.

القدس الشريف بقعة مقدسة بتقديس الله تعالى لها واختيارها بلدا لنزول الوحي على أنبيائه، فهي مهبط الوحي ومدينة الأنبياء والمرسلين، وإرث لمن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وهي مدينة الله ومدينة السلام ومدينة تحتفظ بإرث الأنبياء الذين جاؤوا بكلمة الإيمان والإسلام والإخلاص والعبودية لله جل وعلا.

والمسجد الأقصى اختاره الله تعالى مسرى لنبيه خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ، الذي كلفه بإمامة الرسل في الصلاة قبل العروج إليه جل وعلا ليدل ذلك على انتقال الوراثة النبوية والإمامة لأمة الإسلام. قال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير (الإسراء: 1).

والمسجد الأقصى اختاره الله  ليكون أول قبلة للمسلمين فقال تعالى: قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ (البقرة: 143)، فقد اختبر الله عباده بالتوجه إليه في بداية نزول الإسلام قال تعالى: وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ (البقرة142)،  فتوحدت أفئدتهم عليه وامتد حبل الوصل الإيماني مع تراث الأنبياء لينتقل مشعل حمل رسالة الإسلام للمسلمين ومعها حمل أمانة بيت المقدس.

لذلك جُعل حفظ المسجد الأقصى وما حوله واجبا من واجبات المسلمين الدينية التي أناط الله تعالى بهم حفظها ورعايتها، وجعله مكانا من الأماكن المقدسة، قال : «لا تشدّ الرّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» (متفق عليه). وزاد الإسلام من مكانة هذا البيت عندما أخبر النبي  بعظم أجر الصلاة فيه إلى جانب المسجد الحرام والمسجد النبوي.

ومنذ ذلك الحين ظل المسجد الأقصى والقدس الشريف أمانة في عنق المسلمين ورمزا دينيا إسلاميا يدافعون عنه بالغالي والنفيس ويحمونه من كل تدنيس، ويُعْنَوْنَ به عناية تليق بمكانته عند الله تعالى وعاملوا أهله مسلمين وغير مسلمين معاملة الإنصاف والإكرام قلَّ أن نجد لها نظيرا عند أصحاب الديانات السماوية من اليهود والنصارى.

لكن مع ضعف الأمة الإسلامية ودخول الاستعمار إليها تطاول على القدس الشريف أصحاب الأساطير الفارغة ظلما وعدوانا، وعاثوا فيه خرابا وفسادا، وخرقوا فيه المواثيق والعهود، وحالفهم في ذلك الوضع العالمي بعد الحربين العالميتين وما نتج عنهما من أوضاع فاسدة وقوانين جائرة وتغلب الصهيونية العالمية وتحكمها في مراكز القرار الدولي حتى عجز مجلس الأمن الدولي عن إصدار قانون ينصف الفلسطينيين والمقدسيين دون إشهار ورقة الفيتو من واحد من أعضاء المجلس الدائمي العضوية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.

ومع دخول العالم العربي في بداية القرن الواحد والعشرين مرحلة جديدة من الضعف وتفرق الكلمة وزيادة منسوب التحكم الخارجي وصلت القضية الفلسطينية ومعها القدس الشريف إلى أسوأِ وضع عرفه التاريخ الحديث والمعاصر.

إن الدفاع عن القدس الشريف والمسجد الأقصى ومعهما حق الفلسطينين في السيادة على أراضيهم المغتصبة واجب ليس على الفلسطينيين وحدهم إنما هو واجب الأمة كلها؛ أفرادا وشعوبا ودولا، بل إنه واجب على شرفاء العالم وأحراره.

وإن التخاذل في نصرة الفلسطينيين والقبول بتغيير الوضع الإسلامي للقدس الشريف مع تجاوز التاريخ والقانون تسليما بدعاوى أسطورية مُخْتلَقة وخرقاء تخاذل سيكشف التاريخ زيفه، ويفضح فيه كل المقصرين، لذا فعلى الأمة أن تبادر إلى العمل بأولويات كبرى لا يقوم تحرير البلاد والعباد إلا بها:

أولا - الوحدة والائتلاف ودرء كل عوامل الفرقة والاختلاف.

ثانيا - بناء قوة اقتصادية ذاتية تمكن الأمة من إقامات علاقات دولية وشراكات متوازنة تضمن لها وجودها النِّدِّي في عالم التنافس على المصالح.

ثالثا – تربية الأجيال تربية إيمانية وعلمية بانية للشخصية المسلمة النموذجية في حفظ المقومات الحضارية للأمة والتفاعل الإيجابي مع المحيط العالمي بالاعتزاز للانتماء إلى الذات وصون مكتسبات الأمة من غير ذوبان ولا قابلية للانهزام، قال تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (آل عمران: 139).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>