إلى أن نلتقي – في ذكرى مولدك يا حبيب الله  


في ذكرى مولدك يا حبيب الله ما أحوجنا في عصرنا هذا الذي اختلفت فيه الأهواء وتعددت المشارب وكثرت النزاعات وسادت الأنانية، ما أحوجنا إلى الاقتداء بك، امتثالا لقول الله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الإسراء: 21)، فبالاقتداء بسنتك وسيرتك كل الفلاح والنجاح، وبالسير على هديك يحصل التوفيق والسداد، ويحصل الأمن والسلام، صلى عليك الله ما هبَّت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم.

في ذكرى مولدك يا رسول الله، ما أحوجنا في عصرنا هذا الذي افتُقد فيه الحياء أو كاد، إلى الاقتباس من خُلُقك العظيم، فلقد قال فيك رب العزة: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم: 4)، وبيَّنت في أكثر من حديث مكانة الخُلُق في الدين، فقلت وأنت الصادق الأمين: «لكُلِّ دِينٍ خُلُقٌ، وَخُلُقُ الْإِسْلاَمِ الْحَيَاءُ» (رواه ابن ماجة رقم 4182)، وقلت أيضا، وأنت الذي وصفك ذو الجلال والإكرام بقوله: لقد جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُومِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: 128)، قلت مبيِّنًا دور الخُلُق في كمال الإيمان: «أكمَلُ المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خُلُقاَ» (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح)، وقلت، وأنت الذي أرسلك الله رحمة للعالمين: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ».(رواه الطبراني في « الأوسط » (7697)) (العنت: الْعَيْبَ).

في ذكرى مولدك يا رسول الله ما أحوجنا ونحن في عصر يوصف بعصر العولمة، وعصر المعلومات، وعصر التواصل الاجتماعي السريع؛ بما عرفه من وسائل وتقنيات، سهَّلت سيرورة المعلومة وتجوالها في الآفاق في وقت قصير وقياسي، فانتشر كل غثٍّ من الأقوال، وكل سمين من المنكرات، وانتُهكت الأعراض، وكثر القذف والسب والشتم والغمز واللمز، في ظل ذلك وغيره، ما أحوجنا إلى العمل بحديثك الذي بيَّن مِلاكَ الأمر وأسسه في الدخول إلى الجنة، حيث قلت -صلى الله عليك في الأولين والآخرين- مخاطبا معاذ بن جبل: «…»أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» فَقال لَك: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ. فَأَخَذْت بِلِسَانِك، فَقلت: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا» فَقال: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقلت: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟» (رواه الترمذي وقال حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).

في ذكرى مولدك يا حبيب الله ونحن في عصر  بدت فيه معالم الافتخار بالآباء وبما لكل واحد من متاع الدنيا، ما أحوجنا إلى الاهتداء بقولك المبيِّن لحقيقة الإنسان: «إِنَّ اللهَ  قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عِنْدَ اللهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ» (رواه الترمذي، وأبو داود).

في ذكرى مولدك يا رسول الله ما أحوجنا ونحن في زمن كثر فيه الهرج والمرج والقتل والاقتتال، وانتشرت فيه الفتن، وخاصة في بلاد المسلمين، وبمن له صلة بها، ما أحوجنا إلى استحضار قولك الطاهر الشريف: «لزوال الدنيا أهون على الله  من سفك دم مسلم بغير حق» (رواه البيهقي الطبراني والنسائي بألفاظ متقاربة)، وقولك بلفظ آخر: «لهدم الكعبة حجراً حجرا أهون من قتل مسلم».

في ذكرى مولدك يا حبيب الله، ما أحوجنا ونحن في زمن كثر فيه المدَّعون قولا حبَّك وحبَّ الله تعالى، وأفعالُهم بريئة من ذلك، ما أحوجنا إلى استلهام مضمون قولك الشريف: «لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ من والدِه وولدِه والناسِ أجمعينَ» (رواه البخاري ومسلم) ولن يكون هناك حب صادق لك إلا باتباع ما أنزل الله في كتابه، وما سطره النبي المصطفى في سنته، مصداقا لقوله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران: 31).

صلى الله عليك يا حبيب الله، صلى الله عليك يا حبيبي يا رسول الله.

اللهم صل على نبيك محمد كلما ذَكرَك وذكَرَه الذاكرون، وغفل عن ذِكْرك وذِكْرِه الغافلون.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *