مصطلح الزيغ  في القرآن الكريم


مصطلح الزيغ من المصطلحات التي قل ورودها في القرآن الكريم، ومعناه في اللغة مَيل الشيء. يقال زاغ يَزيغُ زَيْغاً، والتَّزَيُّغ: التَّمايُل.

ويوصف بالزيغ كل من البصر والقلب، مثال الأول قوله تعالى: وإذ زاغـتِ الأبصار وبَلَغَتِ القُلوبُ الحنَاجِرَ﴾(الأحزاب: 10).

وأما زيغ القلوب فهو الأكثر ورودا في القرآن الكريم، ومن ذلك قوله عز من قائل في سورة آل عمران: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ. وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ. رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ. (الأية :7 – 8).

والزيغ عند المفسرين يعني الميل عن الاستقامة، وهذا التخصيص بالميل عن الاستقامة خـاص بزيغ القلب.

وهو يقع من الإنسان على نحو يستحق به صاحبه العقاب من جنسه كما في قوله تعالى: ﴿وإذْ قالَ موسى  لِقَوْمِهِ يـا قوْمْ لِمَ تُوذُونَني وقَدْ تَعْلَـمونَ أَنّي رَسولُ اللهِ إلَيْكُم فَلَمَّا زَاغوا أَزَاغَ  اللهُ قُلوبَهُمْ واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسقين﴾(الصف: 5).

فهؤلاء لما زاغوا أي عدلوا عن الحق وانصـرفوا عنه أضلهم الله ، فزيغهم زيغان: زيغ صدر منهم ابتداء، وزيغ هو عقوبة لهم ناتج عن إزاغـة الله لقلوبهم.

ومثل هذا المعنى كثير في القرآن الكريم، منه قوله تعالى عن المنافقين: أولئـك الذين طَبَـعَ اللهُ على قُلوبهِم واتَّبعوا أهواءَهُم والذين اهْتَدَوْا زادَهُـم هُدىً وآتَاهُم تَقْواهُم (محمد:17-18) ومثـله قوله تعالى مخاطبا المؤمنين: ولا تكونوا كالذين نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُم أَنفسَهُم أولئك هم الفاسقون﴾(الحشر: 19).

فهؤلاء قد نسوا الله فعاقبهم بإنسائهم أنفسهم، كـما عاقب الذين زاغـوا بإزاغة قلوبهم.

وبين الزيغ والنسيان تشابه، إذ النسيان “ترك الإنسان ضبط ما استودع، إمـا لضعف قلبه، وإما عن غفلة، وإما عن قصد حتى ينحذف عن القلب ذكره”(كتاب المفردات).

وأسوأ أنواع النسيان، نسيان العبد لربه، ونسيان الله قد يكون بمعنى  ترك أمره أو نسيان معرفته وتوحيده ومحبته، كما ذكر المفسرون.

وعقوبة من ينسون ربهم أن ينسيهم الله أنفسهم: “ونسيناهم أنفسهم يتضـمن إعراضهم وغفلتهم وعـدم معرفتهم بما كانوا عارفين بـه قبل ذلك من حـال أنفسهم، كما أنه يقتضي تركهم لمصالح أنفسهم، فـهو يقتضي أنهم لا يذكرون أنفسهم ذكرا ينفعها”(لتفسير الكبير لابن تيمية -6/343)، ومثل ذلك ورد في مواضع  أخرى من الذكـر الحكيم منها قوله سبحانه عن المنافقين:﴿نسوا الله فنسيهم﴾(التوبة: 67), وقوله:﴿قال كذلك أَتَتْك آياتُنا فَنَسِيتَها وكذلِكَ اليوْمَ تُنْسى (طه: 124).

فمن طبيعة الفاسقين نسيان أنفسهم وزيغ قلوبهم، وهكذا يتأكد أن بين الزيغ والنسيان معنى مشترك، وهو مجانبة الحق والابتعاد عن الطريق المستقيم، إما بالميل عنه إلى طريق آخر كما في مفـهوم الزيغ، أو بنسيانه وعدم ذكره كما في مفهوم النسيان.

وكما أن النسيان هو غفلة عما كان الناسي عارفا له، فالزيغ هو في غالب استعمالاته في القرآن الكريم ميل عن الحق بعد معرفته، ولذلك فالمؤمن يحذر منه ويستعيذ الله من الوقوع فيه، مثل ما جاء في قوله تعالى على لسان المؤمنين وفي دعائهم: ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا (آل عمران: 8).

ويدل على هذا المعنى من الحديث الشريف، ما جاء عن النواس بن سمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله  يقول: «الميزان بيد الرحمن، يرفع أقواما، ويضع آخرين، وقلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه» وكان رسول الله  يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» المستدرك على الصحيحين، وورد الحديث في سنن ابن ماجة بلفظ: «يَا مُثَبِّتَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ»،

بل إن ما يدل على خطورة الزيغ وأن الإنسان معرض للوقوع فيه ما لم يتعهد نفسه وقلبه بالرعاية والاستزادة من الإيمان، حرص النبي  على طلب الثبات على الإيمان والطاعة، فقد جاء عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ  يُكْثِرُ أَنْ يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» المستدرك على الصحيحين.

فإذا كان النبي  يكثر أن يدعو الله بهذا الدعاء، فنحن أولى بذلك بالنظر إلى كثرة الصوارف عن الاستقامة، وتضافر أسباب الزيغ والندامة، وضعف القلوب وغفلتها عن طلب السلامة. والله تعالى أعلم وأحكم.

دة. كلثومة دخوش

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *