مشروع قانون المالية لسنة 2017 – قراءة في الأرقام والتوجهات


يكتسي قانون المالية السنوي أهمية خاصة في التسيير والتدبير العام لشؤون الدولة، إذ أنه مجموعة من القواعد التي تنظم التوجهات والتقديرات التي تحدد خلال سنة كاملة مجموع الإيرادات والأعباء التي تتحمل الدولة الإشراف عليها وتدبيرها. ويتميز قانون المالية بأنه قانون للتوقع والتنبؤ ثم الترخيص. ولهذا فهو قانون ذو مجالين: مجال يختص بالجانب التقني يقدر الموارد والأعباء، ومجال يهتم بالجانب القانوني حيث ينظم الجباية والإنفاق.

وينصرف مفهوم “قانون المالية السنوي” في مختلف الأنظمة المالية الحديثة، للدلالة على تلك الوثيقة المالية السنوية، المعدة من قبل السلطة التنفيذية والمصادق عليها من قبل البرلمان التي تحدد خلال سنة مالية طبيعية المبالغ التي تخص موارد الدولة وأعباءها المنتظر تنفيذها.

وتأسيسا على ذلك فقانون المالية السنوي هو المعبر عن التوجه الاقتصادي والمالي المتبع في دولة ما، إذ تعكس توجهاتُه واختياراتُه السیاسَة الاقتصادیةَ والاجتماعیةَ المتبعة، ويبرز الأولویات المسطرة والمقررة من خلال الاعتمادات المالیة المرصودة فيه، كما يجسد المجهود الاقتصادي والمالي للدولة في تدبير الشأن العام.

أولا – الموارد والنفقات في مشروع القانون المالي لسنة 2017:

فيما يخص الجزء المتعلق بميزانية الدولة، يقدر المبلغ الإجمالي للموارد ب 373 مليار درهم برسم سنة 2017، بما فيها مبلغ 5 مليار درهم تتعلق بالمداخيل المرتبطة بالتسديدات والتخفيضات الضريبية، وهكذا يقدر المبلغ الإجمالي الصافي للموارد برسم سنة 2017 ب 367 مليار درهم مقابل 359 مليار درهم برسم سنة 2016، أي بزيادة قدرها 2.29 %، مقارنة مع سنة 2016 التي كانت فيها نسبة الزيادة 3.41 %. أما فيما يخص نفقات الميزانية العامة للدولة المتعلقة بنفقات التسيير بمناسبة سنة 2017 ما مجموعه 182 مليار درهم من نفقات الميزانية العامة بانخفاض قدره 0,48 % عن سنة 2016، ونفقات الموظفين التي ستبلغ برسم سنة 2017 ما يناهز 106 مليار درهم بانخفاض قدره 0,07 % عن سنة 2016، أما فيما يتعلق بنفقات المعدات والنفقات المختلفة فتصل إلى ما قدره 35 مليار درهم سنة 2017 بزيادة قدرها 1,66 % سنة 2016.

أما الشق المتعلق بنفقات الاستثمار والتي ستبلغ سنة 2017 63.57 مليار درهم أي بزيادة قدرها 3,55 % سنة 2016، زيادة على ذلك، نجد النفقات المتعلقة بفوائد وعمولات الدين العمومي والتي ستبلغ سنة 2017 ما يناهز 27 مليار بانخفاض قدره 2.87 % عن سنة 2016، بينما من المتوقع أن تبلغ نفقات مرافق الدولة المسيرة بصورة مستقلة برسم سنة 2017 ما مجموعه 2 مليار موزعة على كل من نفقات الاستغلال والاستثمار عوض 3 مليار سنة 2016.

وبالنسبة لنفقات الحسابات الخصوصية للخزينة، فمن المتوقع أن تبلغ سقف تحملات قيمته 70 مليار درهم برسم سنة 2017، أي بتغير يناهز 5,94 % عوض 5.53 % مقارنة مع سنة 2016. وفيما يخص النفقات المتعلقة باستهلاكات الدين العمومي المتوسط والطويل الأجل، فقد بلغ سنة 2017 ما يناهز 45 مليار درهم، مقابل 40 مليار درهم مقارنة مع سنة 2016.

بينما بلغ مجموع الموارد العادية للميزانية العامة الخاصة بموارد ميزانية الدولة برسم سنة 2017 ما قدره 217 مليار درهم، مقابل 207 مليار درهم لسنة 2016، أي بزيادة قدرها 4,76 %، وتشمل هذه الموارد كلا من الضرائب المباشرة وغير المباشرة، والرسوم المماثلة، والرسوم الجمركية، ورسوم التسجيل والتمبر، وعائدات أملاك الدولة، وحصيلة مؤسسات الاحتكار والاستغلالات والمساهمات المالية للدولة، وموارد الهبات والوصايا، وحصيلة تفويت مساهمات الدولة، وباقي الموارد المختلفة، حيث تحتل الضرائب المباشرة المرتبة الأولى في موارد ميزانية الدولة بنسبة 41.18 %، تليها الضرائب غير المباشرة ب 38.97 %، ثم رسوم التسجيل ب8.32 %، ثم عائدات مؤسسات الاحتكار ب4.17 %، ثم الرسوم الجمركية ب4.10 %، ثم الهبات ب 0.81 %.

وحسب مشروع قانون المالية لسنة 2017، ستبلغ حصيلة الضريبة على الدخل ما قدره 40 مليار درهم بزيادة نسبتها 5,8 % عن سنة 2016، أما الضريبة على الشركات فستبلغ حصيلتها سنة 2017 ما يناهز 45 مليار درهم بزيادة قدرها 2.94 % عن سنة 2016، أما الضريبة على القيمة المضافة المحصلة من طرف المديرية العامة للضرائب فستبلغ حصيلتها 22 مليار درهم سنة 2017 بزيادة قدرها 2.41 %، أما تلك المحصلة من طرف المصالح التابعة لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة فستبلغ ما مجموعه 35 مليار درهم بزيادة قدرها 5.85 % عن سنة 2017.

ثانيا: المحور الضريبي في مشروع قانون المالية لسنة 2017:

فيما يتعلق بالضرائب والرسوم ومختلف التدابير الجبائية الأخرى، خص مشروع قانون المالية لسنة 2017 الضريبة على الشركات ببعض التغييرات؛ إذ جاءت المادة 2 لتوضيح كيفية إيداع طلبات اختيار الخضوع للضريبة على الشركات بالنسبة للشركات القائمة. كما توجهت المادة 9 من المدونة العامة للضرائب نحو تطبيق نظام الحياد فيما يخص الضريبة على الشركات على عمليات تفويت جميع عناصر الأصول القابلة للتسنيد. كما سيتم تغيير المادة 9 من المدونة العامة للضرائب من أجل توضيح النظام الجبائي المطبق على إعانات الاستثمار المخصصة لاقتناء الأراضي.

ورغبة في تشجيع الاستثمار، سيتم منح المنشآت إمكانية توزيع إعانة الاستثمار المخصصة لاقتناء الأراضي على فترة 10 سنوات بغية فرض الضريبة عليها. كما سيتم تغيير وتتميم المادة 170 من المدونة العامة للضرائب من أجل توضيح كيفيات استرداد الضريبة على الشركات في حالة التوقف عن مزاولة النشاط، والذي حدده المشروع داخل أجل الشهر الموالي لإيداع الإقرار بالتوقف عن النشاط أو تاريخ آخر إقرار بالنتيجة الجبائية في حالة التصفية. كما سيتم إعفاء الشركات الصناعية حديثة النشأة لمدة خمس سنوات، وإحداث نظام الحياد الضريبي لفائدة عمليات تفويت العقارات المحققة بين المهنيين.

ومن جهة أخرى، سيتم تغيير أحكام المادة 57-16 من المدونة العامة للضرائب المتعلقة التدابير الخاصة بالضريبة على الدخل من أجل إعفاء دائم للمبلغ الإجمالي للتعويض الشهري عن التضريب عوض الإعفاء المؤقت.

أما فيما يتعلق بالتدابير الخاصة بالضريبة على القيمة المضافة، فقد تم التنصيص على ملاءمة آجال إعفاء السلع التجهيزية في الإطار الاتفاقي، عن طريق إقتراح أجل 36 شهرا يبتدئ من تاريخ أول عملية استيراد مع إمكانية تمديد هذه المدة لأربعة وعشرين شهرا.

ثالثا – إجراءات مقترحة للموازنة بين الموارد والنفقات:

يتضح مما سبق أن أكبر إشكالية تواجه القانون المالي السنوي هو إحداث التوازن بين الموارد والنفقات، وذلك عبر عدد من الإجراءات من أهمها:

– العمل على إيجاد أسس نمو اقتصادي متوازن يواصل دعم الطلب ويشجع العرض، خاصة عبر تحفيز التصنيع، وتشجيع الاستثمار الخاص، ودعم المقاولات الخاصة.

– العمل على التقليص التدريجي من أعباء وتحملات ومصاريف الدولة غير الاجتماعية والتنموية.

– العمل على تنفيذ بعض الإجراءات التي من شأنها أن تحافظ على القدرة الشّرائيّة للمواطن أو تحسينها خاصة المنتمي للفئات الوسطى الآخذة في التآكل والتي تعتبر المحفز الأول للطلب الداخلي وأحد محركات التنمية.

– العمل على إحداث صناديق بالموازاة مع الضرائب المحصلة، وذلك تنزيلا للمقتضيات الدستورية التي نصت عليها، بحيث تم التنصيص في الباب المخصص للحسابات الخصوصية: على أنه ابتداء من فاتح يناير2016، يقوم: الحساب المرصود لأمور خصوصية المسمى”صندوق التأهيل الاجتماعي”، المنصوص عليه في الفصل 142 من الدستور، بضبط حسابات العمليات لمدة اثنتا عشرة سنة المتعلقة بسد العجز في مجالات التنمية البشرية، والبنيات التحتية الأساسية والتجهيزات طبقا لأحكام المادة 229 من القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، ويكون رئيس الحكومة، الآمر بقبض موارده وصرف نفقاته (المادة 19).

– العمل على تقليص النفقات العمومية في مجال التسيير، ومنها التقليص من أسطول سيارات الدولة، واعتماد سيارات اقتصادية أقل تكلفة، وتقليص نفقات تجديد المكاتب والمقرات، وتحويل المقرات المكتراة إلى بنايات رسمية على المدى البعيد.

– العمل على تفعيل نظام المحاسبة وإنجاز تقارير مفصلة حول مختلف العمليات المالية محليا ووطنيا حمايةً للمال العام وحرصاً على تحقيق المصلحة العامة.

– العمل على مضاعفة الموارد المخصصة للجهات، من أجل إنجاح الجهوية الموسعة، مع منح الجهات حرية أوسع في تدبير شؤونها المالية، لذلك وجب البحث عن طرق جديدة للتمويل من أجل إعطاء هذه الوحدات الترابية الحرية في تدبير شؤونها، بالإضافة إلى ضرورة تحديد النسب المخصصة للجهات من الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات.

عبد الرحمن غربي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *