قراءة في كتاب – الإسلام وما بعد الحداثة: الوعود والتوقعات 


مؤلف الكتاب هو “أكبر صلاح الدين أحمد” مسلم بريطاني من أصل باكستاني، ولد في قرية أبُّوت أباد بباكستان.

أستاذ علم الاجتماع، بجامعة كامبريدج، يعنى بشئون الفكر عامة وقضايا الإسلام والمسلمين بصفة خاصة، وهو دائم الحضور في وسائل الإعلام الغربية المختلفة، يكتب في الصحافة البريطانية والأمريكية، وينشر مقالاته في الدوريات الأكاديمية المختلفة، وكثير الظهور في القنوات التلفزية البريطانية والأمريكية محللا ومناقشا ومفندا، إلى درجة أن زملاءه يعتبون عليه أنه يتحدث إلى الأعداء أو العدو ويعنون به الإعلام الغربي المتحيز، وبعضهم يتهمه بالعمالة والارتباط بالدوائر الاستخباراتية الغربية وإلا لماذا يستضاف في كثير من البرامج الإخبارية والسياسية والثقافية؟ لا بد أنه باع دينه وخان أمته وتنكر لأصله.

ويرفض هذه الاتهامات جملة وتفصيلا ويبرر تواصله مع الإعلام الغربي بالرغم من معاداته للإسلام وتحامله على المسلمين، برغبته في تقديم وجهة نظر الإسلام كلما تعلق الأمر بمناقشة قضايا ساخنة في المجتمع الإسلامي وبحرصه على أن يشعل شمعة بدل أن يلعن الظلام، إن حضوره المتكرر في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بمثابة نقطة ضوء أو فرصة ذهبية لا تتاح إلا للقليل الأقل من المسلمين.

من مؤلفاته: المجتمع الباكستاني، اكتشاف الإسلام، المقاومة في باكستان. غير أن الكتاب الأكثر شهرة، والأعلى مبيعا هو: الإسلام وما بعد الحداثة، الوعود والتوقعات.

صدرت طبعته الأولى سنة 1992 في لندن وأمريكا في وقت واحد.

ويعاد طبعه كل سنة تقريبا، إذ طبع منه 92،93،95،97، وهي الطبعة التي بين يدي وأتوقع أن يكون طبع مرات عديدة خاصة بعد إحداث 11سينتمر2001 حيث تعاظم الاهتمام في الغرب لكل ما له علاقة بالإسلام.

أما الإهداء فهو لابنته نفيس التي ولدت في بريطانيا سنة 1991، ويقول:

إنه لا شيء، يشغل بال رجل في أواسط العمر، ويستأثر باهتمامه أكثر من أن تولد له طفلة، فهل سيمتد به العمر، وقد مضى أكثره، ليوصلها إلى بر الأمان؟ أتسعد في حياتها أم تشقى إلى أين ستطوح بها الأقدار؟ كم ستعيش، وكيف ستعيش وقد بقي على الألفية الثالثة بضع سنوات، وعلى ظهر كوكب كادت موارده الطبيعية أن تنفد، وتهب عليه العواصف من كل جانب؟

يؤرق الكاتبَ أن تعيش ابنته وتحيا في عالم ما بعد الحداثة الذي بدأ يشكل وعي الإنسان ونمط عيشه وأسلوب تفكيره، ويخبئ  للمسلمين الكثير من المحن والأزمات، فعالم ما بعد الحداثة  مُتشظٍّ  بشكل دراما تيكي، عالم داعر وغير أخلاقي، وهو موغل في الماديات لكن أخطر ما فيه  عداؤه للإسلام وللمسلمين، ومع ذلك يحتفظ الكاتب ببارقة أمل في قلبه ويأمل أن يحقق عصرُ ما بعد الحداثة بعضَ الوعود والآمال للمسلمين، كالتعايش السلمي، والصبر على الأذى، والحوار الإيجابي البناء، ولَدَى  الدينِ الإسلامي الكثيرُ مما يقدمه في هذا المجال لعالم ما بعد الحداثة.

ويختم الكاتب الإهداء بقوله:

أدعو الله  أن يلهم ابنتي السداد والهدى، ويملأ قلبها بالإيمان بكتابه وسنة نبيه حتى تشق طريقها في عالم ما بعد الحداثة بأمانة وثقة وطهارة.

ويعبر الإهداء والدعاء كلاهما عما يساور الكاتب من مخاوف حقيقية حول مستقبل الهوية الدينية لطفلته في عالم ما بعد الحداثة، الذي يتعرض فيه الأبناء والأحفاد للاختلاط ابتداء من مرحلة الروض، وفي الحياة اليومية، وأيضا بسبب دراسة التاريخ البريطاني الذي يركز على الحرية للجميع، والمساواة بين الأعراق والأديان، ويعتبر الدينَ علاقةً شخصيةً بين الإنسان والخالق.

وأما الكتاب فهو الإسلام وما بعد الحداثة، الوعود والتوقعات.

هذه هي ترجمة عنوان الكتاب كما وقفت عليها في إشارة سريعة في الأنترنت، لأن الكتاب مترجم إلى اللغة العربية، ترجمه حسين صافي.

الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، سلسلة الدراسات الحضارية.

تاريخ النشر 2009، عدد الصفحات 536، وعدد صفحات الكتاب باللغة الإنجليزية 294.

وقد سعيت للحصول على الترجمة العربية للكتاب، لأن ذلك يوفر عليَّ جهدا كبيرا، ووقتا ثمينا، ولكن دون نتيجة تذكر، ولعل الكتاب لم يسوق بعد في المغرب.

وقراءة الكتاب باللغة الإنجليزية مسألة مرهقة ومضنية  جدا  جدا بالرغم من جمال المضمون وطرافته لأنه كتب بلغة إنجليزية لا تنتمي إلى هذا العصر على عادة كتاب شبه القارة الهندية خاصة والأسيويين عامة، الذين يميلون إلى التفاصح بالغريب، والتقعر اللغوي، وهذه ظاهرة معروفة في الصحف الخليجية المكتوبة باللغة الإنجليزية التي تثير سخرية الإنجليز.

وأذكر أن رئيسا لوزراء الهند (لعله ناتال بيهاري، وهو  شاعر كبير) قال مرة: إن الإنجليز خرجوا من الهند لأنهم لا يطيقون سماع الهنود يتحدثون باللغة الإنجليزية.

لفت هذا الكتاب نظري وأنا منهمك في البحث عن تعريف دقيق ومحدد لمصطلح ما بعد الحداثة في إطار تدريسي لمادة ظواهر في المصطلح الأدبي لطلبة ماستر التنمية اللغوية، وتأتي أهمية هذا الكتاب من كونه أولَ كتاب يناقش فكرة ما بعد الحداثة التي شغلت اهتمام الفكر الغربي، في علاقتها بالإسلام، فحتى التاريخ الذي ألف فيه هذا الكتاب وهو بداية التسعينات لا يوجد كتاب عربي يتناول هذا الموضوع الحيوي.

نعم، هناك كتابات عربية تناولت العلاقة بين الإسلام والحداثة، ولكن لا يوجد كتاب عربي يعالج أو يلفت النظر إلى العلاقة بين الإسلام وما بعد الحداثة.

ولعل السبب أن الكتاب العرب يعتقدون أن ما بعد الحداثة شأن غربي صرف لا يعني المجتمع الإسلامي في شيء.

الإسلام وما بعد الحداثة، الوعود والتوقعات:

والمقصود بالوعود الآمال التي يعلقها المسلمون على مرحلة ما بعد الحداثة، والتوقعات بمعنى توقع مكروه أي ما يتوجسون منه خيفة من أزمات ومحن وأهوال تخبئها لهم الحقبة التاريخية المعاصرة التي دعيت مؤقتا بما بعد الحداثة.

فما المقصود بما بعد الحداثة ؟

وما سمات ما بعد الحداثة؟

وما العلاقة بين ما بعد الحداثة والإسلام؟

1 –  ما المقصود بما بعد الحداثة ؟:

لا سبيل أمام المسلم العادي للتعبير عن وجهات نظره، والدفاع عن نفسه ودينه وأمته من خلال الإعلام المتحيز الذي يغمر محيطه بمشاعر العداء لغةً وصورةً، ويصوره على أنه شخص متعصب، غير منضبط، الشيء الذي يضع الإسلام على المحك، ويلصق به تهمة التعصب و الإرهاب.

والواقع أن الإسلام، منذ الحروب الصليبية، ينظر إليه على أنه دين القسوة والعنف،  وسفك الدماء، فهو العدو التاريخي للمسيحية. وفي زماننا هذا ينظر إليه على أنه أكبر خطر يهدد الغرب إذا قيس بالخطر السوفياتي والصيني. ويبدو أن أمورا كثيرة في هذا العالم تثير الجدل واللغط مثل سلوكيات بعض النجوم الأروبيين التي تثير حفيظة الأوساط الدينية المسيحية.

فليس الإسلام وحده مشكلة العالم الغربي، هناك أشياء كثيرة تغيرت بشكل جذري، جعلت الناس يتصرفون تصرفات رعناء.

إننا نعيش في عصر التحولات الكبرى على مستوى القيم والعلاقات، وعلى مستوى الأنا والآخر، والطبقة والعِرق والأمَّة، والبنيات التي كانت قائمة لأجيال عديدة انهارت كأن لم تغْنَ بالأمس.

ولو أن طبيعة هذه التحولات ومداها وعمقها ما زالت موضع نقاش، ويتولد إحساس لدى المراقبين بأننا على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية، أعقبت مرحلة الحداثة ويمكن أن نسميها مؤقتا مرحلة ما بعد الحداثة، وهي غير مقطوعة الصلة كلياً بما قبلها.

لذا، فإن أسئلة كثيرة ملحة تطرح حول المستقبل المنظور من قبيل:

– هل صحيح أن الإسلام هو العدو المقبل للغرب بعد انهيار النظام الشيوعي؟

– ماذا يعني النظام العالمي الجديد بالنسبة للمسلمين ؟

– هل عصر ما بعد الحداثة معادٍ للإسلام؟

– لماذا يصر الإعلام الغربي السمعي البصري على الانتقاص من قدر الإسلام والنيل منه ؟

– هل موقف المسلمين السلبي من الإعلام المتحيز في نظرهم هو السبب؟

– وإذا كان الأمر كذلك فإلى متى سيظلون منعزلين عن الحضارة الغربية ذات الطابع الكوني؟

– ثم هل يمكن أن تؤثر هذه الحملات الإعلامية المغرضة على المسلمين، وتبعدهم عن قيمهم الدينية والروحية التي يمثلها القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة؟

– ما طبيعة التحولات الفكرية والثقافية التي تحدث في المجتمعات الإسلامية؟

– لماذا يفضل المسلمون السراويل الفضفاضة على سراويل الجينز؟

– كيف يمكنهم الحفاظ على مؤسسة الأسرة القائمة على الزواج الشرعي ، التي تمثل النواة الأساسية للمجتمعات الإسلامية؟

– وكيف يمكنهم العناية بالأطفال، والبِرّ بالوالدين، وتوقير الكبير للصغير، ومفهوم الوسطية والاعتدال؟

– هل يمكنهم الحفاظ على هذه القيم الجميلة في وجه فلسفة ما بعد الحداثة ؟

-وكيف يمكنهم نقل هذه القيم والأخلاق، والروحانيات إلى المجتمع العالمي الذي يمثلون جزءا منه.

– وأخيرا:

هل يمكن لحضارة دينية كالإسلام تقوم على الوحي أن تتعايش مع عالم ما بعد الحداثة الذي نفض يده من الدين، ومن كل ما هو مقدس؟

هذه طائفة من الأسئلة الجوهرية  الحارقة التي يحاول الكتاب أن يجيب عنها عبر فصوله الستة:

1 – ما بعد الحداثة والإسلام.

2 – الأساطير الإغريقية والأنبياء الساميون.

3 –  المواجهة والصدام.

4 –  دراسة الإسلام.

5 –  الثقافة والتغيير.

6 –  جبروت الإعلام.

د. محمد بوحمدي

————————

عنوان الكتاب باللغة الإنجليزية:

PostmodernismandislamPredicamentandpromise

لمؤلفه: أكبر صلاح أحمد الباكستاني

LondonandnewyorkFirstpublishedin  1992

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *