علل الخطاب الإسلامي المعاصر وآفاق في علاجها (1\10)


مقدمات

يقصد بالخطاب الإسلامي:(البيان والإرشاد الموجه إلى الناس عبر الوسائل المتعددة، وبأساليب وصور مختلفة لدعوتهم إلى الإسلام). والعلل جمع علة: ولها إطلاقات عديدة تختلف باختلاف الموضوع والعلم الذي تستعمل فيه، وهي في مقالاتنا بمعنى: الأمراض، ولا شك أنها في سياق الحديث عن الخطاب الإسلامي ستكون عللا وأمراضا معنوية، لكننا ندرك آثارها الجسيمة في الواقع.

لماذا الحديث عن علل الخطاب الإسلامي؟

بعد تأملٍ في واقع الخطاب الإسلامي المعاصر، لا يسع المرء إلا أن يشير إلى مواطن خلل بيِّن في هذا الخطاب، والدليل على ذلك ما نلمسه من (آثار ونتائج) ملاحظة في واقع الأمة، تدل على ضعف بالغ في الخطاب الإسلامي شكلا ومضمونا، يصحب ذلك تراكم المشاكل الفكرية والدينية والاجتماعية والأخلاقية وغيرها على كافة الأصعدة في حياتها، ويجب أن نقول إن جزءاً من ذلك كله يتحمله الدعاة والمصلحون بلا شك، فهم بخطابهم الضعيف جزء من صناعة بعض تلك المشكلات، أو على الأقل لم ينجحوا في تقديم علاج ناجح من خلال خطابهم الديني، وكان ينبغي أن يكونوا سابقين في حماية المجتمعات الإسلامية من هذه المشكلات، أو علاجها وتخفيف آثارها.

حدود الخطاب الإسلامي المقصود:

لا ينحصر الخطاب الإسلامي في خطبة الجمعة –على أهميتها من بين وسائل الدعوة- ولا ينحصر كذلك في دروس أو مواعظ، وإنما يضم إلى ذلك كله: الفتاوى، والمقالات، وما تذيعه القنوات ووسائل التواصل الاجتماعي الحديثة من مواد تتعلق بالإسلام، كما يشمل الكتب الإسلامية وكافة المنشورات والمطبوعات، وإذا تجاوزنا المؤسسات الدينية الرسمية، فإن التيار الإسلامي في حاجة ماسة إلى تطوير أساليبه وتنوع وسائله ليعيش العصر مع ارتباطه بالمصدر والأصل.

موقع خطبة الجمعة من الخطاب الإسلامي:

لعل أقوى وسائل الدعوة وأعمها هي تلك الوسيلة المفروضة والدائمة (خطبة الجمعة)، حتى قال أحد العلمانيين الكبار في مصر لما سئل عن اقوى حزب في مصر فأجاب جوابا عجيبا، قال: (حزب جمهور الجمعة) أو حزب (صلاة الجمعة)، ثم قال نحن نظل طوال الأسبوع نلقن الجماهير أفكارا ومفاهيم عبر وسائل عديدة فيأتي خطيب الجمعة يهدمه في نصف ساعة، وكلامه صحيح ويا ليته كان واقعا ملموسا، أما صدقه في مقولته، فلأن الجمعة فريضة على الرجال المسلمين البالغين المقيمين الأصحاء الخالين من الأعذار، يضاف إلى ذلك تكرار أدائها وحضورها كل جمعة، وما احتف بها من آداب وسنن تحمل الجمهور على الإصغاء إليها وعدم الانشغال بها. فهي بذلك عامة في جمهورها، دائمة في تأديتها، معظمة في شأنها وموقعها عند المسلمين، فهي جديرة أن توصل صوت الإسلام الحقيقي، ومضمونه الرباني، ومقاصده العليا إلى كل بيت ونفس، متى كانت ناجحة قوية فعالة.

على الرغم من كل ذلك فإن الواقع يؤكد أن خطبة الجمعة لا تزال فاقدة لدورها الحقيقي المعبر عن الحكمة الإلهية من تشريعها، والذي من أجله أمر الله تعالى عباده المؤمنين أمرا صريحا بأن يتركوا البيع ويسعوا إلى ذكر الله فقال  :يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (الجمعة:9). ومن أجل تلك الحكم بوب البخاري بابا في الصحيح قال فيه “باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب وإذا قال لصاحبه أنصت فقد لغا”، وأورد فيه هذا الحديث عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله  قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت». (رواه مسلم).

ومن أجل تلك الحِكَم جاء تهديد من ترك ثلاث جمع تهاونا بشأنها؛ ففي الحديث : “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قَالَ: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ» (رواه الترمذي)، قال المناوي في فيض القدير (طبع الله على قلبه). أي ختم عليه وغشاه ومنعه ألطافه وجعل فيه الجهل والجفاء والقسوة، أو صير قلبه قلب منافق”.

ضعف الخطاب الإسلامي وجه معبر عن الضعف العام في الأمة:

لا يخفى على عاقل الضعف العام الذي أصاب أمتنا في كافة مجالات حياتها، ومن بين تلك الجوانب والمجالات خطابها الإسلامي وقد لحقته العلل لجملة من الأسباب من المهم معرفتها حتى نضع أيدينا عليها عند العلاج، من هذه الأسباب:

أ – ضعف العلم الشرعي لدى المتصدرين للخطاب الإسلامي، الأمر الذي يجعل المتقدمين للدعوة لا يمتلكون صورة صحيحة متكاملة عن الإسلام تعبر عن روحه وفلسفته وطريقة علمه في الحياة.

ب – ضعف تصور الواقع لدى كثير من الدعاة وأهل الإصلاح، مع أن إدراك الواقع شرط صحة للمفتي والداعية والمصلح، وإلا وصف أدوية لغير أدوائها، وخاض معارك متوهمة لا حقيقة لها، وعاش بالجمهور في غير عصرهم، وخاطبهم بغير لغة زمانهم، وقدم لهم ما ليس لهم به حاجة كبيرة.

ج – الضغوط والأهواء والرغبات والمطامع المختلفة لدى حملة الخطاب الإسلامي، فمن أبرز الضغوط التي يواجهها الدعاة، الضغوط والتخويفات السياسية، التي تجعلهم يكتمون الحق خوفا أحيانا، أو يزينون لأولي الأمر مسالكهم ويبررون أخطائهم ويلبسون ذلك كله ثوب الدين أحيانا أخرى، وقد يقع الدعاة فريسة أهواء شخصية ومطامع مادية، فيميلون بأهوائهم إلى إرضاء الجماهير والعوام، أو يطمعون في فتات من الدنيا فيقتنصوها على حساب دينهم وقيمهم، وهذا يطمس بصائرهم، ويفقدهم حرارة التأثير، وحماسة الخطاب، فيقدمون خطابا ميتا أو باهتا خاليا من النورانية والهداية.

ذ – غياب معاني المراجعة والفحص والتقييم والتقويم الدائم للخطاب الإسلامي، وتجديده ليواكب قضايا العصر ونوازل الواقع.

وفي مقالاتنا القادمة لعقد العزم بإذن الله تعالى على أن نستعرض بعضا من علل خطابنا الإسلامي، محاولين فتح آفاق لعلاج تلك الأدوية، وسيكون مقالنا القادم في بيان أولى علل هذا الخطاب ونقاط ضعفه، تحت عنوان “التأخر في السبق إلى عقول الجماهير”.

د. أحمد زايد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *