إلى أن نلتقي – نص وتعليق


من النصوص المهمة في أهمية الصدق والكذب في بناء الحضارة؛ ما كتبه ابن خلدون في تاريخه. ومما جاء فيه:

“اعلم أنّه لمّا كانت حقيقة التّاريخ أنّه خبر عن الاجتماع الانسانيّ الّذي هو عُمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التّوحّش والتّأنّس والعصبيّات وأصناف التّغلّبات للبشر بعضهم على بعض… ولمّا كان الكذب متطرّقا للخبر بطبيعته وله أسباب تقتضيه؛ فمنها التّشيُّعات للآراء والمذاهب، فإنّ النّفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقّه من التّمحيص والنّظر حتّى تتبيّن صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيّع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأوّل وهلة وكان ذلك الميل والتّشيّع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتّمحيص فتقع في قبول الكذب ونقله.

ومن الأسباب المُقتضية للكذب في الأخبار أيضا الثّقة بالنّاقلين وتمحيص ذلك يرجع إلى التّعديل والتّجريح. ومنها الذّهول عن المقاصد فكثير من النّاقلين لا يَعْرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنّه وتخمينه فيقع في الكذب.

ومنها توهّم الصّدق وهو كثير وإنّما يجيء في الأكثر من جهة الثّقة بالنّاقلين.

ومنها الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التّلبيس والتّصنّع فينقلها المخبر كما رآها وهي بالتّصنّع على غير الحقّ في نفسه.

ومنها تقرّب النّاس في الأكثر لأصحاب التّجلّة والمراتب بالثّناء والمدح وتحسين الأحوال وإشاعة الذّكر بذلك فيستفيض الإخبار بها على غير حقيقة، فالنّفوس مُولعة بحبّ الثّناء، والنّاس متطلّعون إلى الدّنيا وأسبابها من جاهٍ أو ثروة، وليسوا في الأكثر براغبين في الفضائل ولا متنافسين في أهلها.

ومن الأسباب المقتضية له أيضا وهي سابقة على جميع ما تقدّم الجهل بطبائع الأحوال في العُمران، فإنّ كلّ حادث من الحوادث، ذاتا كان أو فعلا، لا بدّ له من طبيعة تخصّه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله فإذا كان السّامع عارفا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصّدق من الكذب، وهذا أبلغ في التّمحيص من كلّ وجه يعرض.

وكثيرا ما يعرض للسّامعين قبول الأخبار المستحيلة وينقلونها وتؤثر عنهم..

وتمحيصه إنّما هو بمعرفة طبائع العمران، وهو أحسن الوجوه وأوثقها في تمحيص الأخبار وتمييز صدقها من كذبها، وهو سابق على التّمحيص بتعديل الرّواة، ولا يرجع إلى تعديل الرّواة حتّى يعلم أنّ ذلك الخبر في نفسه ممكن أو ممتنع، وأمّا إذا كان مستحيلا فلا فائدة للنّظر في التّعديل والتّجريح.

ولقد عدّ أهل النّظر من المطاعن في الخبر استحالة مدلول اللّفظ وتأويله بما لا يقبله العقل…

وإذا كان ذلك فالقانون في تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار بالإمكان والاستحالة أن ننظر في الاجتماع البشريّ الّذي هو العمران، ونميّز ما يلحقه من الأحوال لذاته وبمقتضى طبعه، وما يكون عارضا لا يعتدّ به وما لا يمكن أن يعرض له. وإذا فعلنا ذلك كان ذلك لنا قانونا في تمييز الحقّ من الباطل في الأخبار والصّدق من الكذب بوجه برهانيّ لا مدخل للشّكّ فيه وحينئذ فإذا سمعنا عن شيء من الأحوال الواقعة في العمران علمنا ما نحكم بقبوله ممّا نحكم بتزييفه، وكان ذلك لنا معيارا صحيحا يتحرّى به المؤرّخون طريق الصّدق والصّواب فيما ينقلونه…”اهـ.

هذا النص قيّم جدا، وهو يبين قيمةَ الخبر الصحيح السليم من عيوب الكذب والتناقض ونحو ذلك، ودورَه في البناء الحضاري، مقابل الخبر الكاذب ودوره في إشاعة الجهل وانتشار الخرافات، وتقويض العمران البشري.

وإذا كان منهج تمييز الخبر الصادق من الكاذب قد تميز به علماء الحديث بشكل لا نظير له، فإن ابن خلدون من خلال هذا النص قد بين قيمة هذا التمييز في مجال الاجتماع البشري وتشييد العمران الحضاري.

وللقارئ أن يقارن بين ما كان يطمح إليه ابن خلدون في إرسائه لقواعد هذا المنهج، وبين ما هو شائع لدينا حاليا في أغلب ما يُكتب ويذاع.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *