أفعال المحبة المسندة إلى الله تعالى في القرآن الكريم:دلالات ومقاصد  


إن الناظر في كتاب الله تعالى يقف في آيات عديدة ومواطن كثيرة على أفعال أسندها الله تعالى لذاته العلية، ومن ذلك فعل “أحب” في المضارع مثبتا نحو (الله يحب) ومنفيا نحو (الله لا يحب)، وبتتبع المواطن التي وردت فيها الصيغتان ومعمولات الفعل “أحب” يمكن التساؤل عما يلي:

ماهي أهم المعمولات التي ورد الفعل بها وأسندها الله تعالى لنفسه؟ وما هي المعمولات التي نفى الباري تعالى نسبتها لذاته؟ وما دلالاتها الإيمانية والعملية في حياة المسلم والأمة؟ وما أثر التخلق بنفس الأخلاق حتى يصير العبد محبا لما يحبه الله مجتنبا ما لا يحبه؟

أولا نماذج مما يحبه الله تعالى:

نكتفي في هذا المقام بذكر نماذج مما أثبت الله تعالى لذاته أنه يحبه؛ إذ غرضنا التنبيه على أهمية هذا الفعل ومعمولاته في استقامة الحياة عموما. وذلك على النحو الآتي:

– قال تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين (البقرة: 195).

– قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴿(البقرة: 222).﴾

– قال تعالى: بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (آل عمران: 76).﴾

– قال تعالى: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (آل عمران: 159).﴾

– قال تعالى: اعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (المائدة: 13).﴾

– قال تعالى: وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (المائدة: 42).﴾

– قال تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة: 4).﴾

– قال تعالى: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (التوبة: 7).

– قال تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الحجرات: 9).﴾

– قال تعالى: أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (الممتحنة: 8).﴾

– قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا (الصف: 4).﴾

ثانيا مستفادات:

يتبين أن الله تعالى أسند إلى نفسه من خلال فعل “يحب” في المضارع ومعمولاته جملة من المحبوبات تفيدنا في استمداد الهدايات الآتية:

– أن مفعولات فعل “يحب” ليست من طبيعة مادية وإنما من نوع القيم الخلقية الفاضلة (الإحسان، التوبة، التطهر، التقوى، القسط، التوكل..).

– أن المفعولات السابقة لم ترد مذكورة بصيغتها الاسمية المجردة وإنما وردت محبوبة وهي صفة يتلبس بها عباد الله تعالى (المحسنون، التوابون، المتطهرون، المتقون، المقسطون، المتوكلون…).

– أن المعمولات التي وردت محبوبات لله تعالى إنما هي في الحقيقة وصريح اللفظ العباد الذين تخلقوا بهذه القيم الخلقية والإيمانية الفاضلة.

– كل هذه الصفات التي يحب الله تعالى بسببها عباده إنما وردت في أحد سياقين: سياق الأمر بالتخلق بها وتنبيه العباد إلى الحكمة من الأمر بها وهي أن الله تعالى يحب أصحابها؛ كما في قوله تعالى: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة: 195)، وإما في سياق مدح العاملين بالصفة المتخلقين بها؛ والمدح مشعر بالأمر والإرشاد إلى التخلق بالصفة الممدوحة عند الله تعالى كما في قوله تعالى: بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (آل عمران: 76).﴾

– أن هذه المعمولات لا يكون لها معنى وقيمة إلا إذا تخلق بها العباد تخلقا يجمع العلم بها وبمقتضياتها والإيمان بها والعمل بها بحيث يُرى أثرها وأثرُ التخلق بها في تهذيب النفوس وصلاح الأعمال وإشاعة الخير في الحياة.

– أن كل فضيلة من هذه الفضائل مطلوب العمل بها في كل مرافق الحياةِ حياةِ الفرد والجماعات والأمة، فلا يقتصر على قطاع دون آخر ولا على مستوى دون الآخر.

ثالثا أمثلة على ما لا يحبه الله تعالى:

– قال تعالى: وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة: 197)، و(المائدة: 87).

– قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (النساء: 107).﴾

– قال تعالى: فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (الأنفال: 58).

– قال تعالى: إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (القصص: 76).﴾

– قال تعالى: وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص: 77).﴾

– قال تعالى: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍلقمان: 18).﴾

– قال تعالى: فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (الشورى: 40).﴾

رابعا مستفادات:

مثل ما سبق في المجموعة السابقة من محبوبات الله تعالى يمكن – في هذا السياق من الإخبار عما لا يحبه الله تعالى- استفادة الهدايات الآتية:

– أن العباد الذين أخبر الله تعالى أنه لا يحبهم هم العباد الذين اتصفوا بصفات مذمومة طبعا وشرعا مثل: (الاعتداء، الخيانة، الفرح، الإفساد، الاختيال والفخر، الظلم…)

– أن هذه الصفات لحقها الذم طبعا وشرعا لما يترتب عنها من فساد للحياة، وحط من الكرامة الإنسانية، وعبث بنظام الحياة، وتهديد للأمن والطمأنينة والاستقرار النفسي والاجتماعي، وخروج عن نواميس الله تعالى وسننه في إقامة الحياة على سنن العدل والفضل، والخير والصلاح.

– أن هذه المذمومات / اللا محبوبات عند الله تعالى إنما وقع التنبيه عليها لكونها أصولا لما عداها من الشرور، ومن كبائر الرذائل التي إذا دخلت النفس وشاعت في المجتمع ترتبت عنها كل المفاسد الأخرى.

– أن الفساد يزداد كلما اتصف الناس بهذه الصفات ومارسوها في المجتمع كما أن الخير يزداد كلما ازداد المؤمنون به العاملون به.

وفي الأخير يمكن القول إن الله تعالى وهو يخبرنا عما يحب وعما لا يحب إنما يرشد سبحانه عبادَه إلى ما فيه قوام مصالحهم وصلاح حياتهم فيسعوا إلى جلبه تعلما وتعليما تحققا وتخلقا وتربية، و في إخباره تعالى بما لا يحب توجيه إلى ما فيه هدم للحياة وإفساد لها وتضييع للحقوق ليعمل العباد على دفعه واجتنابه.

والله أعلم وأحكم

الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *