مفهوم العبرة في القرآن الكريم: دلالات ومجالات ومقتضيات  


يشكل مفهوم العبرة في الاستعمال القرآني مدخلا مهما لفهم كثيرا من الوظائف المنوطة بالإنسان وبالأمة لبناء الحياة الطيبة القائمة على موازين شرعية فيها الهداية والرشاد والخير والصلاح للعباد، وليس هذا فحسب بل إن إعمال الإنسان للمفهوم على أسسه العقلية المسددة بالوحي يفضي إلى ترشيد العقل البشري وتحريره من الأوهام والأهواء والشبهات وتوجيه الإنسان إلى إصلاح كل ما يصدر منه من سلوكات وتصرفات لتستقيم على ما ورد في الوحي من التوجيهات والهدايات.

فما هي إذن دلالات مفهوم العبرة ومشتقاتها الاسمية والفعلية؟ وما هي قيمتها العلمية والعملية في ترشيد تصورات الإنسان وتصرفاته في مجالات الحياة؟

1 – دلالات مفهوم العبرة:

تدور دلالة لفظ العبرة ومشتقاته في اللسان العربي على معنى مركزي هو العبور والانتقال من طرف لآخر سواء في الحسيات أو المعنويات، وجملة ما يستعمل فيه لفظ العبرة مما له تعلق بمقصودنا ما يلي:

1 –  الجواز والانتقال من مكان إلى آخر، أو من نقطة البداية إلى غاية معينة، وفي هذا المعنى تقول العرب:عبر الطريق بمعنى جازها من جانب لآخر، وعبر النهر إذ انتقل من جانبه الأول إلى جانبه الثاني، ومنه عابر سبيل أي قاطعها ومجتازها من طرف لآخر؛ وفي القرآن الكريم: ولا جنبا إلا عابري سبيل (النساء: 43). ومنه أيضا تعبير الأحلام أي الانتقال من صورها الظاهرة إلى مدلولاتها الباطنة، ومنه قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (يوسف: 43) قال القرطبي: “تعبرون: العبارة مشتقة من عبور النهر، فمعنى عبرت النهر: بلغت شاطئه، فعابر الرؤيا يعبر بما يئول إليه أمرها” (الجامع لأحكام القرآن: القرطبي) وقال ابن منظور: “فقيل لعابر الرؤيا: عابر; لأنه يتأمل ناحيتي الرؤيا فيتفكر في أطرافها ويتدبر كل شيء منها، ويمضي بفكره فيها من أول ما رأى النائم إلى آخر ما رأى” (لسان العرب : مادة عبر).

2 – الفرض والتقدير:يقال: عَبَرَ الكيلَ إذا قدَّرَ كمًّه ومقدارَه، وعبرَ الدراهمَ إذا نظر كم وزنها.

3 – البيان والإبانة: يقال عَبَّرَ عما في نفسه إذا أظهر بالكلام ما في ذهنه من أفكار أو ما في نفسه من خلجات ومشاعر وانفعالات.

4 – القياس والاتعاظ: اعتبر بالحدث إذا اتعظ به، وورد في القرآن قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار، أي: “تدبروا وانظروا فيما نزل بقريظة والنضير فقايسوا فعالهم واتعظوا بالعذاب الذي نزل بهم، …والعبرة هي كالموعظة مما يتعظ به الإنسان، ويعمل به ويعتبر ليستدل به على غيره، والعبرة: الاعتبار بما مضى” (لسان العرب) وقال القرطبي: “والعبرة أصلها تمثيل الشيء بالشيء لتعرف حقيقته من طريق المشاكلة، ومنه فاعتبروا”.

5 – التدبر والاستدلال: يقال: عبَر الكتاب إذا نظر فيه وتدبر ألفاظه وجاز منها إلى معانيها الخفية ومدلولاتها، قال ابن منظور: “وعبر الكتاب يعبُره عبرا: تدبره في نفسه، ولم يرفع صوته بقراءته” ويطلق على المتدبر للكتاب “العابر أي الناظر في الشيء، والمعتبر: المستدل بالشيء على الشيء” (لسان العرب) قال الطاهر بن عاشور: “والاعتبار النظر في دلالة الأشياء على لوازمها وعواقبها وأسبابها. وهو افتعال من العبرة”.

2 – “العبرة” في القرآن الكريم:

2-1 مواطن الورود وحجمه

ورد لفظ العبرة ومشتقاته في القرآن الكريم تسع (9) مرات:

– ست مرات بصيغة عِبرة: وذلك في المواطن الآتية:

أ – قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (آل عمران: 13).

ب – لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ (يوسف: 111).

ج – وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِّلشَّارِبِينَ (النحل: 66).

د – وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (المؤمنون: 21 – 22).

هـ – يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ (النور: 44).

و – اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (النازعات: 17 – 27).

– مرتين بالصيغة الفعلية:

ز – بصيغة الثلاثي المجرد عَبَرَ، كما في قوله تعالى: وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (يوسف: 43).

ح – وبصيغة المزيد الخماسي اعتبر كما في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (الحشر: 2).

ط – مرة واحدة بصيغة اسم الفاعل: عابر كما في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (النساء: 43).

2-2 دلالات ومجالات:

مما سبق إيراده من مواطن ورود مفهوم العبرة ومشتقاته في القرآن الكريم يمكن تبين ما يلي:

أ – على المستوى الدلالي:

أولا: أن الغالب على الاستعمال القرآن للفظ العبرة والاعتبار هو معنى النظر الذهني وبذل النظر العقلي للانتقال من حال المنظور إليه الظاهر إلى مدلوله الخفي (الآيات الواردة أعلاه من (أ) إلى (ح)) بقصد إصلاح الحال وتصحيح السلوك أما المعنى الحسي الوضعي الذي هو الانتقال من مكان لآخر فورد مرة واحدة فقط (الآية الواردة في (ط)).

ثانيا: الغالب على الاستعمال القرآني الصيغة الاسمية (عبرة) حيث وردت سبعة مرات، والصيغة الفعلية مرتين، غير أن المقصود من الصيغة الاسمية هو الفعل؛ إذ وردت في سياق الخبر والقصد الأمر، فكأن المطلوب إذن من العباد تحقيق فعل العبرة الذي لا يكون إلا بالعَبْر والاعتبار.

ب – على المستوى المجالي:

يلْحَظ أن الأمر بتحصيل العبرة والاعتبار جاء بتوجيه النظر إلى مجالين هما الكون والتاريخ البشري (قصص القرآن الكريم) بقصد إصلاح مجالين هما مجال التصور ومجال التصرف من أجل صلاح أمرين الحال (الدنيا) والمآل (الآخرة):

– المجال الأول إيماني علمي يتمثل في إدراك الحق تعالى إدراكا يقينيا من خلال الاستدلال بآياته في خلقه التي نصبها دلائل ظاهرة قابلة للانتقال منها إلى ما تخفيه من وجود الصانع الخالق انتقالا صحيحا لا يشوبه شك ولا يعتريه ظن كما في قوله تعالى: يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَار (النور: 44) فالسياق الذي سيقت فيه الآية هو سياق” آيات الاعتبار المذكورة قبله لأنه أريد الانتقال من الاستدلال بما قد يخفى على بعض الأبصار إلى الاستدلال بما يشاهده كل ذي بصر كل يوم وكل شهر فهو لا يكاد يخفى على ذي بصر” (التحرير والتنوير) ونفس الأمر بالنسبة لسياق قوله تعالى: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَة (النحل: 66، والمؤمنون: 22)وهو سياق “تقرير وجود الله تعالى وتفرده بالإلهية بذكر آياته العظام” (فتح القدير للشوكاني).

– المجال الثاني عملي يتمثل في امتثال البشر لأمر الله تعالى بإقامة الحياة على هدى من الله تعالى بإتيان أمره واجتناب نهيه والاعتبار بمن سلف من الأمم وقياس أحوالنا بأحوال من سبقنا؛ فمن آمن منهم واتبع الهدى كالأنبياء وأتباعهم من المؤمنين كان له من الله النصر والتأييد والمعية والولاية، أما من كفر منهم وطغى وتجبر كفرعون (سورة النازعات) وبني قريضة وبني النضير (سورة الحشر) فجزاؤه العذاب والهلاك والخسران؛ من أجل هذا فالعبرة هي الموعظة والانزجار والعبور من حال الضلال إلى حال الهداية، ومن حال الفساد إلى حال الصلاح، ومن حال العصيان وغضب الله تعالى إلى حال الطاعة ورضى الله تعالى، ومن حال الهلاك إلى حال النجاة.

على مستوى مجال المخاطبين بالعبرة والاعتبار:

يلاحظ أن المخاطبين بالعبرة والاعتبار في القرآن الكريم دوما هم “أولي الأبصار” و”أولي الألباب” و”من يخشى” مما يفيد جملة هدايات منها:

أولا:أن إعمال العقل والتفكر في آيات الله تعالى في الكون المنظور والتدبر في آياته في الكتاب المسطور مطلوب شرعا من الإنسان إذ به لا بغيره يدرك المرء الحق، ويستقيم عليه.

ثانيا: التلازم بين العلم بالله وخشيته، فالعلم الصحيح لا يورث إلا الطاعة والامتثال والخشية، سواء أكان التفكر في عالم الأكوان أم في تاريخ الأمم من بني الإنسان ومصارعها إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ وشاهده أيضا قول الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (فاطر: 27 – 28) أم كان التدبر في كتاب الله ووحيه.

ثالثا: أن المطلوب شرعا وعقلا من الأمة في كل زمان تكوين العلماء والباحثين المتمكنين من النظر العقلي والبحث العلمي الصريح، فبهم تحيا الأمة وتستمر في الوجود؛ لأنه بإعمالهم للنظر يدركون الحق ويدركون ما به تصلح الحياة ويتأهلون للقيام بوظيفة تصحيح ما انحرف من تصورات الناس وما اعوج من تصرفاتهم. وكل أمة قل فيها العلماء وأهل النظر قل فيها الاعتبار والاتعاظ، وفشا فيها الغفلة والانحراف عن نهج الله تعالى وهداه.

3 – خلاصات عامة:

مما سبق يمكن الانتهاء إلى جملة مستفادات يرشدنا إليها الاستعمال القرآني للفظ العبرة ومشتقاته، وسياق ورودها ومقاصده؛ ومن أهمها:

أن مفهوم العبرة والاعتبار في القرآن الكريم مدخل صحيح للإصلاح الشامل الصحيح، إصلاح الفكر والعقول وتوجيه للعلم توجيها صحيحا فيما ينبغي أن ينفع الناس، وإصلاح الأعمال والسلوكات، وإصلاح مناهج النظر والتفكير والتعبير والتدبير.

أنه مطلوب من كل إنسان مؤمنا كان أم كافرا ما دام قد زُوِّد بآلات النظر والاعتبار والاتعاظ، وهو مطلوب من المسلم والأمة المسلمة بالأولى لأنه المنهج الأهدى إلى التصالح مع الله تعالى، كما أنه المفتاح الرباني للشهود الحضاري والإمامة الخيرة للأمة على الناس أجمعين اهتداء بالحق واعتناء بالخلق.

أن الأولوية الكبرى في الإصلاح إنما هي إصلاح العقول، وتحريرها من إسار التقليد والأهواء والشبهات، وتربية النشء المسلم على قواعد إعمال العقل وتوظيف إمكاناته في التفكر والتدبر، والافتكار والاعتبار، والتحليل والتعليل والتأويل الحق، وفي ربط العلم بالخشية والإيمان بالعمل. والله تعالى أعلى وأعلم.

الطيب بن المختار الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *