مطبخ التربية والتعليم


نظرت في أمر التربية والتعليم فألفيته أشبه ما يكون من حيث مدخلاته ومخرجاته بما تتعهد المطابخ بإخراجه للناس من ألوان المطاعم والمشارب، بما في ذلك ما ينجم عن هذه أو تلك من آثار وتداعيات، على كيان من يتعاطون مع ما تقدمه مطابخ التعليم والتربية، أو مطابخ الأطعمة، سواء بسواء، من حيث المفهوم التجريدي العام الذي يتعلق بتقديم مادة معينة إلى الكيان البشري، ينتج عنها مفعول ما أو تفاعلات على المستوى الكلي العام لذلك الكيان.

وتسمح لنا هذه المقدمة أن نخلص إلى حقيقة منطقية بينة، مفادها أن درجة الصحة والاستواء والتوازن، والنضج والتكامل، والخلو من الانحرافات، والعلل والتشوهات، لدى مستهدفي أو رواد نظام تعليمي تربوي ما،  هي –حتما– رهينة بمستوى الكفاءة والخبرة والأمانة، وقوة استشعار المسؤولية لدى من يتجردون لحمل مسؤولية وأمانة مسألة التربية والتعليم، أو ضعف ذلك الاستشعار، بدءا من رسم الإستراتيجية الكبرى وما يرتبط بها من اختيارات وتوجهات، تنبثق كلها من رؤية فلسفية شاملة للكون والحياة والإنسان والمصير،  مرورا بتخطيط البرامج والمناهج، وصولا إلى إعداد عدة الأجرأة والتنفيذ التي ترقى في مستواها النظري والتطبيقي إلى الاستيعاب العميق لكل المقومات والأركان السالفة الذكر.

فإذا أنت أبصرت حشودا من رواد المدارس يخرجون من فصولهم ومؤسساتهم، وهم على أحوال بائسة من التردي الأخلاقي والانحطاط السلوكي، والتشوه المظهري، فضلا عن الضحالة في التحصيل العلمي والكسب المعرفي، فاعلم علم اليقين، أن كل ذلك ما هو إلا نتيجة حتمية لمواد مسمومة تلقاها الناشئون الأبرياء من مطبخ للتربية والتعليم، قد يكون شاهقا في طبقاته وأبراجه، براقا في بهرجه وألوانه، ولكنه يفتقد إلى المهندسين الخبراء الأمناء، العارفين بمواطن الداء والدواء، المتسلحين باليقظة، التي تحول دون تسرب المواد غير الصالحة، أو المنتهية الصلاحية، أو التي لم يحن بعد أوان تناولها.

وهذه الصورة هي أشبه ما تكون بمن تناولوا أطعمة وأشربة فاسدة في مطاعم قد تكون في فنادق فخمة، فخرجوا منها في حالة مزرية، تتقطع أحشاؤهم من المغص، وينقلون على إثرها إلى المستشفيات، يتربص بهم خطر التسمم القاتل الذي قد يودي بحياة بعضهم، وقد ينجو بعضهم وهم في حالة منهكة بعد تعرضهم لعملية غسيل المعدة.

وهذه المقارنة مع اعتبار الفارق طبعا، فشتان بين حالات التسمم الغذائي، وحالات التسمم الفكري والروحي والقيمي، فتلك هينة الخطب قريبة الرأب على خطورتها، وهذه بالغة التعقيد ذات طابع مأساوي يمس وضع الأمة الحضاري والهوياتي والوجودي، ومن ثم تظهر لنا فداحة الجناية وشناعة الجرم الذي يقترفه في حق الأجيال، وحق الأمة على السواء، كل من يحلو لهم ،ممن وكل إليهم أمر الإشراف على مطبخ التربية والتعليم عندنا، أن يلفقوا للجياع من أجيال المتعلمين ما شاءت لهم أهواؤهم من الوجبات التي قد لا تغني في مجموعها ولا تسمن من جوع، اللهم إلا إذا استثنينا بعض العناصر وبعض المواد التي تضيع في خضم ذلك المجموع، مما تقتضي الرؤية المنهجية الراشدة أن تدخل في نسق أو منظومة متكاملة تهدف إلى تخريج أجيال راشدة متماسكة، تستلهم روح الإسلام، وتراعي مصلحة الأمة في كل شيء.

إن أمر مطبخ التربية والتعليم عندنا أمر غريب ومريب في ذات الوقت، فمن أوجه الغرابة المثيرة للحيرة العارمة، بل للحنق والامتعاض، بل للغضب والاشمئزاز، أن كل أطقم الطبخ التعليمي والتربوي الذين تعاقبوا عل مسؤولية إعداد الوجبات في ردهات ذلك المطبخ وغرفه، كان ديدنهم  التلفيق والجمع بين العناصر غير المتجانسة، فيما درجوا على  إعداده وتقديمه، على مدار ما يزيد على نصف قرن من الزمان، ولم تسجل ولو حالة شذوذ واحدة عن تلك القاعدة المريرة، وذلك الثابت المريع، الأمر الذي يؤكده المكوث المهين في المراتب الدنيا التي أصبحت لعنتها تلاحقنا كشبح مخيف.

إن قرائن الأمور كلها تدل على أن هناك سببا جوهريا وراء سوء التغذية التعليمي والتربوي الذي تعاني منه “منظومتنا التربوية” إنه غياب الصدق مع الذات، واحتقار الذات الحضارية، وفقدان الزمام، الأمر الذي يدفع حتما إلى جلب مواد لمطعمنا التربوي التعليمي، من مزارع خارج بيئتنا، تنتج مواد ذات طعوم لا تسيغها ألسنتنا ولا أمزجتنا، ويشرف على إعدادها من لا دراية لهم بأذواقنا وأحوالنا.

إن المدخل الأوسع إلى تحرير الإنسان في هذا الوطن العزيز، هو تطهير مطبخ التربية والتعليم من الأطعمة الفاسدة، ومن المعلبات الجاهزة، والوجبات السريعة الخالية من الفائدة، وإبعاد الأدعياء الذين يزعمون امتلاك أطباق شهية تحمل اللذة والإمتاع، فضلا عن الفائدة والإشباع، وجعل ذلك المطبخ في المقابل في أيدي أمينة تسلك في تعاملها مع مادة التربية والتعليم مسلك النحل الذي يقول فيه رب العالمين: وَأوحَى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون(النحل: 68 – 69).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *