دروس من الهجرة النبوية


لقد مكث النبي  بضع عشرة سنة بمكة وما حولها يدعو الناس إلى أصول الإيمان وعبادة الله، فآمن بدعوته من آمن وكفر من كفر، ولما ضاقت شعاب مكة به وبأصحابه، رأى أنه لا بد من البحث عن مكان جديد تنطلق منه الدعوة، فأذن الله له بالهجرة إلى المدينة، فكان هذا الحدث العظيم الذي غير وجه التاريخ، حافلا بالدروس والعبر التي ينبغي على كل مسلم الوقوف عندها والاستفادة من دروسها وعبرها.. وأقف في هذا المقال على اثنين منها، وهما:

الأول – ضرورة الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:

ويتجلى ذلك في حسن التخطيط الذي يفضي في الغالب إلى تحقيق النجاح، فقد استفرغ النبي  جهده وامتثل أمر ربه: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ(الأنفال: 60)، فاستبقى معه أبا بكر وعليا، ولم يهاجرا إلى المدينة مع المسلمين، فعليّ  كلفه رسول الله  بالمبيت في فراشه، وأبو بكر  صحبه في الرحلة وقال له: “لا تعجل؛ لعل الله يجعل لك صاحبا”(1).

واستعان بعبد الله بن أريقط الليثي وكان خبيراً ماهراً بالطريق، وواعده بعد ثلاثة أيام عند غار ثور ليدله على الطريق إلى المدينة.

وكان عبد الله بن أبي بكر يرعى غنيماته ويأتي بها إلى غار ثور فيشرب أبوه وصاحبه  من ألبانها حتى إذا كان السحر رجع إلى مكة، وفي ذلك تأمين للطعام والشراب، كما فيه تأمين لأخبار مكة وما يدور فيها.

وكتم أسرار مسيره إلا ممن لهم صلة به، ومع ذلك فلم يتوسع في إطلاعهم إلا بقدر العمل المنوط بهم، ومع أخذه بتلك الأسباب وغيرها لم يكن ملتفتاً إليها بل كان قلبه مطوياً على التوكل على الله .

وبعد استفراغ الوسع وبذل الجهد في الأخذ بالأسباب، تتدخل العناية الإلهية لحفظ أوليائه وصرف أعدائه عنهم ما داموا قد حفظوه، وفي الحديث: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك»(2). فنلاحظ أن المشركين قد وصلوا إلى بيت الرسول  قبل الموعد الذي كان يظنه، ويرتب خطته على أساسه، والمطاردون وصلوا إلى باب غار ثور، وسراقة بن مالك استطاع أن يصل إلى النبي  وصاحبه..

ولكن الدرس هنا أن المؤمن إذا قام بما عليه وأخذ بما يستطيع من أسباب، فإن الله  سيكمل له ما يحدث من نقص خارج عن إرادته؛ لذا أغشى الله  عيون المشركين أمام بيت الرسول  فلم يروه وهو خارج، ولم يجعلهم يلقون نظرة واحدة داخل الغار حتى لا يروا حبيبه  وصاحبه، فعن أبي بكر ، قال: قلت للنبي : وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما»(3). وأساخ أقدام فرس سراقة في الرمال وألقى الرعب في قلبه طالبا الأمان وعارضا الزاد والمساعدة وهو المطارد الطامع في الظفر بالجائزة القائل: “لما خرج رسول الله  من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش لمن رده مائة ناقة.. وكنت أرجو أن أرده، فركبت على أثره..”(4)

فهذه أهم فائدة نستفيدها من الهجرة، وهي وجوب الأخذ بالأسباب البشرية مع التوكل على الله والاستعانة به في كل أمور حياتنا الفردية والجماعية للوصول إلى الأهداف وتحقيق الغايات.

فالآباء مطالبون بحسن تربية أبنائهم وتتبعهم في كل مراحل تنشئتهم، وبتحقيق كل حقوقهم الواجبة عليهم.. فعندئذ تبرأ ذممهم وإن قدر الله عدم صلاحهم بعد ذلك.

وطلبة العلم يلزمهم مذاكرة دروسهم والحرص على القيام بكل واجباتهم من حضور حلقات العلوم وسلك سبل التحصيل دون توان ولا فتور.. فهذه الأسباب وغيرها لن ينتج عنها إلا التفوق والنجاح، ولن يكون الامتحان إلا بابا إلى العز والفلاح..

وكذلك التاجر والصانع والفلاح وغيرهم لا بد لهم من الأخذ بالأسباب المفضية إلى التفوق وتحسين المردود كل في ميدانه الذي يشتغل فيه، تأسيا بفعله  في كل حياته وفي هجرته..

هذا على المستوى الفردي، أما على المستوى الجماعي فينبغي على الأمة والقائمين عليها وعلى تسيير شؤونها؛ حسن التدبير وجودة التخطيط والسعي الدؤوب لامتلاك القوة العسكرية والاقتصادية، مع الريادة على المستوى الاجتماعي والسياسي والتربوي.. لاسترجاع الأمجاد وقيادة الأمم، لأننا خير أمة أخرجت للناس، وبذلك يتحقق موعود الله : ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم(النور: 55).

هذا هو المنهج السليم الذي ينبغي أن نسير عليه أفرادا وجماعات، منهج الأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله، منهج رسول الله  الذي علمه للرجل الذي قال له: أرسل ناقتي وأتوكل؟ فقال له : «اعقلها وتوكل»(5)، منهج الطير التي تغدو خماصا وتروح بطانا، كما في الحديث: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا»..(6)

والأخذ بالأسباب مع التوكل عليه يقتضي اليقين في الله والثقة في موعوده، والتسلح باليقين سبيل الثبات على المبدأ والاستمرار في  بذل الجهد دون كلل ولا ملل..

الثاني – اليقين في الله تعالى والثقة بنصره:

وهذا يتجلى في تهدئته  لصاحبه رضي الله عنه وهما في الغار والعدو متربص بهما واقف عند فتحة الغار يراقب المكان، ولو نظر إلى أسفل قدميه لرآهما، فيحزن أبو بكر ويخاف على صاحبه.. لكن النبي  صاحب القلب المفعم باليقين في وعد الله بنصره والتمكين له وهزم عدوه سيهزم الجمع ويولون الدبر(القمر: 45)، يقول له: «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما»(7).

كما يتجلى يقينه  وهو في أخطر مرحلة من حياته وقد خرج متخفيا من عدوه، والصعاليك يطاردونه في كل مكان يحاولون رده إلى مكة للظفر بالجائزة، وأحدهم يستطيع الوصول قريبا منه، إنه سراقة بن مالك.. لكن عصمة الله لنبيه حالت بينه وبين النيل منه، فطلب الأمان واقترب من النبي ، وبيقينه الصادق في وعد الله بشر سراقة بنصر الله ووعده بسواري كسرى وأمر أبا بكر بأن يكتب له كتابا بذلك..

فمن الذي جعل النبي ، الفار بدينه، المهاجر في سبيله، المتخفي من أعدائه، يثق في نصر الله، ويخبر بظهور أمته على أعتى الأمم وأقوى الدول، أمة فارس ودولة كسرى؟؟!! إنه اليقين في الله الذي يجب على كل مسلم التسلح به لتجاوز المحن والحواجز، وقلبها إلى منح وجوائز.. فمهما طال الليل فلا بد من طلوع الفجر..

نعم إن الهجرة النبوية حدث حافل بالدروس والعبر ولو استقصيتها لطال الكلام ولكن حسبي هذان الدرسان وهاتان العبرتان ففيهما الكفاية.

ذ. عبد الرفيع حجاري

 ————————

1 – رواه الطبراني في المعجم الكبير حديث رقم:462.

2 – رواه الإمام أحمد في مسنده، حديث رقم:2669.

3 – رواه مسلم في كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل أبي بكر الصديق ، حديث رقم:2381.

4 – انظر المعجم الكبير للطبراني، حديث رقم: 6603.

5 – صحيح ابن حبان في باب الورع والتوكل، حديث رقم:731.

6 – رواه الإمام أحمد في المسند، حديث رقم:205.

7 – رواه الإمام أحمد في مسنده، حديث رقم:11.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *