العلوم الإسلامية وأثرها في التعليم الجامعي


تعتبر العلوم الإسلامية عملا فكريا وعقليا لاستمداد الهدى والرشاد النابعين من الوحي، وظلت عبر تاريخ المسلمين من أهم آليات بناء المجتمع وحفظ أصوله المعرفية وأسسها المنهجية وقيم الأمة التربوية والمجتمعية عامة. فالعلوم الإسلامية تهتم بشكل عام بدراسة الإسلام كتابا وسنة والتعريف به في شموليته باعتباره دينا ونظام حياة سوية. كما تؤسس لقواعد فكرية وحضارية وعلمية وقيمية واعية، وينصب اهتمامها الخاص على التكوين والتثقيف والبحث العلمي ومواكبة قضايا الواقع المتجدد فهما وتجديدا وتطويرا لسبل البحث ومناهج التأطير الفكريين.

وسنركز اهتمامنا هاهنا على بعض القضايا الأساسية التي تفرضها طبيعة الدراسة التي نحن بصددها كالتكوين والبحث والتثقيف.

التكوين:

ففي هذا المجال ينبغي أن يكون الأثر الإسلامي حاضرا في سائر المراجع التعليمية ومختلف الأسلاك وشعب التعليم بدءا من الروض والأولي وانتهاء بالثانوي والتعليم العالي..، والعمل على مراعاة الانسجام والتكامل بين المواد الإسلامية والمواد الدراسية الأخرى، وبقاء التعليم العالي بمختلف شعبه وتخصصاته مصطبغا بثقافة إسلامية تتلاءم مع نوع التخصص(1)، وقد يكون من المطلوب أيضا أسلمة بعض العلوم المعاصرة والمناهج والبرامج المتعلقة بهذا الشأن حتى تتوافق مع الذات الحضارية الإسلامية وخصوصية الأمة. ومما ينبغي مراعاته في التكوين الإسلامي فضلا على كل ما سبق الاهتمام بالأطر والمؤسسات والمعاهد المنوط بها ذلك، حتى تقوم بوظيفتها على أتم وجه، دون إهمال تحفيز المكوَّنين وربطهم بالواقع العلمي ومقتضيات البحث المتطورة.

بالإضافة إلى تكوين باحثين في مجالات الفكر الإسلامي لتجديده وجعله يشارك بمواقف مشرفة في التطورات الفكرية وتوضيح الرؤية الإسلامية حول المستجدات المعاصرة من عولمة وتنمية وبيئة وأمن اجتماعي وحقوق المرأة والطفل والأجير.. وغيرهم، وتوجيه اهتمام الباحثين في الحقل المعرفي إلى تصحيح مناهج البناء والتأهيل لرفع مستوى التكوين لدى أبناء الأمة.

التثقيف:

وفي هذا المجال:

– يتعين الحفاظ على القيم الروحية والتقاليد الاجتماعية التي لا تتنافى مع المقومات الإسلامية، وهي التي بمثابة تحصين للمجتمع من الزيغ والانحراف.(2) ومن بين هذه التقاليد المغربية المتأصلة والهامة، التعلق بالقرآن الكريم وتحفيظه للناس بطرق ترغبهم فيه تحسين وتلاوته وتجويده وترجمته للغات العام لنشره وتبليغه والعمل به وعلى ضوئه، لقوله تعالى: وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ(المائدة: 49). فالتعامل مع الغير جائز بهذا النص وبعموم الشريعة بشرط تفادي إتباع الأهواء أو الافتتان عن الوحي جملة أو مناقضته.

وكذلك من التقاليد الحميدة التي ينبغي الاحتفاظ بها في ثقافتنا المغربية الاهتمام بسنة الرسول وسيرته، تعلما وتعليما وتربية وتوجيها وذبا واستمدادا وامتدادا، إذ تمثل سنة النبي مجالا خصبا ونموذجيا للمفكرين والمثقفين في التعاطي مع الحياة، بمكوناتها المختلفة، إذ كان  الإمام الأعظم ،وقائد الجيش، والمسير للدولة في علاقتها الداخلية والخارجية، والمربي(3)، والباني لاقتصاد البلاد وغير ذلك من المهام، التي لا ينبغي إغفالها عند التعامل مع سنته باعتباره ، شخصية متكاملة ومتوازنة وواقعية، لقوله تعال: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(النساء: 65).

– العمل على نشر الثقافة الإسلامية بشقيها الديني والمدني وبمنهجيتها التربوية بهدف تحصين المجتمع من التنكر لها ومن المد الثقافي والحضاري الذي يتسبب في تشويهها وتعتيمها(4) ولعل من أهم أسباب النفور التي تعاني منها الشخصية المسلمة اليوم تجاه ثقافة عصرها عامة والإسلامية خاصة عدم إيلائها الاهتمام اللائق من قبل بعض المفكرين أو عرضها عرضا لا يناسب تطلعات الناشئة.

– الحفاظ على التوازن بين الهوية وخصوصياتها الروحية والحضارية المتميزة وبين متطلبات التنمية ومواكبة العصر. وفي هذا الصدد يقول مصطفى بن يخلف أحد المتخصصين في الحقل التربوي: “إن من أسباب فشل التعليم في المغرب هو عدم تحديد اختيار حقيقي للهوية والشخصية المغربية التي نريد داخل الحضارة العربية الإسلامية”.(5) وهذا يبين لنا أهمية مراعاة الهوية وعدم التهاون فيها في المجال الثقافي تحقيقا وتوجيها.

فالثقافة الإسلامية بطبيعتها متعددة المشارب متكاملة الموضوعات فهي غنية من حيث الزخم الفكري والعلمي والحرية المسئولة عند التعامل مع العقل في إطار الشرع بلا إفراط ولا تفريط، كما أنها تنأى عن الانطوائية والانغلاق والتسيب والانفلات.

وإذا كانت الثقافة بمفهومها الواسع إنتاجا فكريا معرفيا أكثر حرية في التعامل مع النصوص الشرعية؛ فإن العلوم الإسلامية تعد الأصول المؤطرة للبحث العلمي الأكثر ارتباطا بالمرجعية الأساسية التي منها تنبثق تلك العلوم ممثلة في القرآن الكريم والسنة النبوية، لذلك تكتسي الصبغة العلمية الدقيقة التي تراعي ميزان الوحي ودقته وصحته التي توافق ميزان العقل والنظر الصريحين، ولذلك يمكن القول بأن العلوم الإسلامية لا تنهض حجتها وقوتها إلا مع التخصص في الارتباط بالأصول الشرعية التي تمثل الثابت والأساس الذي يجب أن يحفظ خصوصية الأمة واستقلاليتها من الذوبان، أما الفروع الفكرية فلا بأس من التساهل فيها بلا إخلال أو إسفاف.

 – البحث العلمي:

في هذا المجال تسعى العلوم الإسلامية إلى:

– الحفاظ على باب الاجتهاد مفتوحا أمام أهل النظر الصحيح بضوابطه العقلية وقواعده الإيمانية، معتمدة في ذلك أصول الشريعة ومقاصدها، آخذة بعين الاعتبار التطورات والأعراف والظروف المتجددة، ومراعيةما صح وصلح من الاجتهادات السابقة والاستفادة منها.

– تكوين أطر علمية تستطيع التوفيق بين مقتضيات العصر وروح الشريعة وضرورة تقدم المجتمع ونمائه برؤية إسلامية، وتكون قادرة على التفاعل مع المستجدات دون تأثير أو تأثر خارجين.

– الحفاظ على مظاهر الحضارة المغربية وعلى سلامة المجتمع المغربي من التشويه أو الاستلاب خاصة، والعالم الإسلامي عموما.(6)

– مواصلة الإنتاج العلمي والفقهي للارتباط بالتراث والاعتماد على الاجتهاد في التحديث والإبداع بالوسائل والآليات الحديثة لأن الفقه لا يجد سندا حقيقيا في العلوم الحقة الإسلامية اليوم، وهذا يقتضي موقفا من هيئة كبار العلماء للتنسيق بينهما.

– المشاركة في البحث العلمي المتعلق بالعلوم الإنسانية والاجتماعية والعلوم التطبيقية التي تنعكس بعض نتائجها على المجال الشرعي وذلك انطلاقا من المنظور الإسلامي النابع من مقاصد الشريعة المبنية على قواعدها ومقوماتها ومن مصدريها الرئيسيين القرآن والسنة.(7)

فالعلوم الإسلامية باعتمادها المقومات الإسلامية تستطيع أن تسهم مساهمة فعالة في تحصين المجتمع الإسلامي وتحافظ على هويته وتلقيحه بالأخلاق الحسنة، وتسهم في بناء آليات جديدة ومتطورة أيضا في تجديدالمجال الثقافي وتفعيله، ولا يتم ذلك إلا بتنمية الروح الدينية والوطنية، وهي وحدها الكفيلة بتحقيق تلكم الأهداف.  قال أبو الحسن الندوي في هذا الصدد: “قيمة البلد ليست بكثرة الجامعات والمعاهد، بل القيمة في كثرة أبنائه الذين يقفون حياتهم للبحث والدراسة ونشر العلم والثقافة وتثقيف الشعب”(8)، فالإسلام دين ودستور للحياة الفردية والجماعية بشموليته في التصور والنظر، وبواقعية في التدبير والتنفيذ، وبحكمته في رعاية الأولويات والتكيف مع كل الظروف مهما تعقدت.

الباحثة: نادية حمالي

——————-

1 – الدراسات الإسلامية بين الحاضر وآفاق المستقبل: محمد بلبشير الحسني، المعارف الجديدة الرباط ، 1424ه/2003م. ص: 25 بتصرف.

2 – نفس المرجع، ص: 26 بتصرف.

3 – منهج التربية الإسلامية: محمد قطب، دار الشروق للنشر ، الطبعة 16 .ج2 ص254.

4 – الدراسات الإسلامية ، محمد بلبشير الحسني، ص: 26.

5 –  ما مدى التزام التعليم في المغرب بالهوية الحضارية: سمان علال، الطبعة الأولى فبراير 2010، ص: 88.

6 – الدراسات الإسلامية ، محمد بلبشير الحسيني، ص: 28بتصرف.

7 – نفس المرجع،  ص: 47.

8 – مجلة الأمة ، مقال بعنوان: ” المنهج ووظيفة الجامعات الإسلامية” د.عباس محجوب، العدد 60، السنة الخامسة ، ذو الحجة 1405هـ/ اغسطس1985م. ص11 بتصرف.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *