افتتاحية – لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ


هذه الآية ترشد إلى أن البر درجة عليا في مراتب الإيمان والتقوى؛ به تنهض مصالح الأمة، وبه تقضى كثير من الضرورات والحاجات، وبه يظفر المسلم بالجنة ويفوز برضوان الله تعالى، وفي الآية بيان أن اسم « البر » لفظ جامع لكل معاني الخير ولكل عمل صالح يعود بالخير على فاعله والمفعول له، كما أن فيها حثا وتحريضا على الإنفاق في سبيل الله تعالى مما تحبه النفس وتشتهيه وتتعلق به، وإن المحبوبات التي تتعلق بها النفس كثيرة إلا أن المال -باعتباره جنسا لما يدخل تحته- أكثرُها محبوبية، وأكثرها نفعا وجلبا للخير ودفعا للشر وبه تتقوم كل المنافع.

ولقد أدرك الصحابة رضوان الله عليهم -منذ أن تلقت آذانهم هذه الآية- معناها والمقصود منها؛ فتسابقوا إلى الإنفاق مما يحبون، ووَقَفوا أموالَهم في سبيل الله تعالى تحقيقا لما تحتاج إليه الأمة من حاجات. وانطلقت الأمة في تشييد حضارتها على مبدأ التنافس في الإنفاق مما تحبه النفس، وتسبيله لله تعالى لتحقيق النفع العام، فكان وراء ذلك أكبر حركة إنفاق شهد التاريخ بتفردها وعظم آثارها كما وكيفا حيث حبس المسلمون أموالَهم وأملاكَهم على كل ما يحتاج إليه وخاصة في المجال العام، فوقفوا أوقافا على المساجد، وعلى اليتامى والأرامل وعلى الرباطات، وعلى الحُجاج، وعلى مدارس التعليم وطلبتها ومدرسيها، وعلى المستشفيات، وامتد الوقف ليشمل نفعه الحيوان والبيئة فحُبست أحباسٌ على أنواع من الحيوان حماية لها من الانقراض، فحققت الأمة بالوقف والإنفاق التطوعي أمنها الروحي والغذائي والعلمي والتربوي والصحي والبيئي…

غير أنه بعد مرور قرون عجاف من الضعف والاستلاب والغزو الفكري والثقافي والتلوث الأخلاقي بدأت جنات الأوقاف يصيبها التصحر ويهددها الانقراض لما أصاب كثيرا من قلوب أبناء الأمة من فقر إيماني وبعد عن أصول الدين ومقاصده، وقل الإنفاق التطوعي الإيماني على القطاعات الحيوية في الأمة في الوقت الذي ازدادت الحاجة إليه في عصرنا، فلا الأمة حافظت على أملاك الأحباس وصانت حقوق ذويها كما يجب، ولا هي استمرت في البذل والعطاء.

ورغم الجهود التي تبذل من أجل الحفاظ على هذه المكتسبات ورغم ما يصدر من كثير أهل الخير من مسارعة إلى الإنفاق التطوعي في مختلف القطاعات إلا أن ذلك لا يسد الحاجة المستمرة لتوسيع الدائرة ولا يدفع ما يهدد الوقف وأعمال البر الاجتماعي من مهددات.

إن الأمة اليوم وهي تحاول استعادة موقعها الحضاري تحتاج إلى الالتفات إلى ما يبني ذاتها ويغرس قيم الخير في أبنائها، ويقوي روح الإيثار والتعاون والتضامن والتكامل لأنه الكفيل بالنهوض بمشاريعها ورص مكوناتها الاجتماعية، ولن تنهض من غير استحضار كل المقومات الحضارية التي نهضت بها سابقا، وهي في حاجة إلى أن يسارع كل واحد من أبنائها إلى الإنفاق مما يحب من المال والخبرة والعلم والتربية…

وإنه أمام طغيان ثقافة العصر المادية صارت الحاجة ماسة إلى تقوية الإيمان في النفوس لينتقل المسلم من حب الماديات لذاتها إلى حبها لما تقرب إليه من نفع لدين الله تعالى وعباده، وليرتفع من درجة حب المال لذاته إلى حب إنفاقه لصالح أمته فيما يعم نفعه، ويدوم أثره، ويعظم أجره.

وتذكيرا بقيمة العمل التطوعي في الإسلام، وبضرورة إحياء سنة الإنفاق في سبيل الله تعالى مما يحب المرء في كل أعمال البر، جاء هذا العدد متضمنا لملف عن الوقف تذكيرا بمقاصده وتنبيها إلى عظم آثاره في البناء الحضاري للأمة، وإبرازا لمجالاته التي خدم بها الأمة خدمة لا تحيط بذكرها المجلدات الطوال.

ويكفي المسلم ما وعده الله به من الأجر على الإنفاق في أعمال البر والخير العام قال تعالى: الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة آية273)، وقال جل شأنه: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (البقرة آية 264).

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *