مناهج الدعوة من خلال كتابات السيرة المعاصرة (3) – المنهج الدعوي الاستيعابي


يواصل الكاتب الفاضل في هذه الحلق الحديث عن مناهج الدعوة الإسلامية من خلال تتبع التنظير لها في كتابات السيرة المعاصرة ويخص المنهج الدعوي الاستيعاب بالبيان والتفصيل ، بعد أن خص في الحلقتين السابقتين بالحديث عن المنهج الدعوي السلمي والمنهج الدعوي التربوي وبين كيف أفادت الدراسات المعاصرة للسيرة النبوية في التأصيل لهما.

إن اهتمام كتابات السيرة المعاصرة بإبراز وتحليل دعوة النبي  لصنوف المدعوين على اختلاف عقائدهم، من اليهود والنصارى والوثنيين، واختلاف أعمارهم من الشيوخ والشباب والصبيان، واختلاف مستوياتهم الاجتماعية من الغني والفقير والسيد والرئيس والمسود والمرؤوس، وكذلك اختلاف أوطانهم العربي والحبشي والفارسي والرومي. جعل الدعوة عالمية الرسالة والتوجه، وفرض على دعاة العصر مفهوما جديدا يلزمهم بالتفاعل الإيجابي المتجدد؛ لاستيعاب شرائح وأصناف المدعوين المختلفة.

ويزداد هذا المعنى بيانا ووضوحا خاصة عندما يدرس الدعاة في كتب السير المعاصرة التحليلات الدعوية التي تبين قدرة النبي  على تأليف القلوب المنكِرة المكذبة، وجذب النفوس النافرة الغاضبة مثل ما حدث يوم حنين، عند توزيع الغنائم.

يقول مصطفى السباعي عند تعليقه على تأليف النبي  لقلوب السادة من قريش بعطاء خاص، رغم عداوتهم القديمة لدعوة الإسلام: (الإسلام دين هداية وإصلاح، فلا يكتفي بفرض سلطانه بالقهر والغلبة، كما تفعل كثير من النظم التي تعتمد في قيامها وبقائها على القوة دون استجابة النفوس والقلوب، بل لا بد من تفتح القلوب له، واستبشارها بهدايته، وتعشقها لمبادئه ومثله، وما دام العطاء عند بعض الناس مفيداً في استصلاح قلوبهم وغسل عداواتهم، فالحكمة كل الحكمة أن تعطى حتى ترضى، كما فعل رسول الله . فإذا صلحت نفوس أشرافهم بهذه الأعطيات، تفتحت قلوبهم بعد ذلك لنور الدعوة، وحمل أعبائها، وهذا هو الذي حصل، فإنه بعد أن تألف رسول الله  قلوب هؤلاء الزعماء، زالت من نفوسهم كل موجدة وحقد على الاسلام ودعوته).

ولقد أشار منير الغضبان إلى أهمية التعرف إلى النفسيات وإدراك وتقدير السادة وعلية القوم، وإنزال كل فرد ما يناسبه من منزل. يقول عند تعليقه على مراسلات النبي  إلى الملوك والرؤساء: (نلاحظ أن الرسول  كان يضرب على الأوتار النفسية التي يخشاها الحاكمون، فكانت رسله تطمئن هؤلاء الحاكمين على ملكهم، وأنه سيحفظ لهم إذا دخلوا في الإسلام، حتى أولئك الذين عادوا الإسلام وحاربوه، لم يكن الغيظ أو الحقد ليغير هذه السياسة، بل كان إكرامهم هو الأساس بعد دخولهم في الإسلام، أو حتى بعد انقطاعهم عن حربه).

وكذلك ترطيب قلوب الاتباع وإزالة الحزن والشك منها ورفع الروح المعنوية عند جميعهم. يقول منير الغضبان أيضا عند تعليقه على معاملة النبي  لكل من خالد بن الوليد وعمرو بن العاص بعد إسلامهما: (والملاحظ أن عرض عمرو رضي الله عنه الإسلام، وإسلام خالد بين يدي رسول الله  لم يختلف في المضمون، لكن نرى في بعض الجزئيات إشارات لمعنى ضخم في طبيعة الدعاة. فخالد، يرى ابتسام رسول الله له منذ لقياه، وعمرو، يرى تهلل وجه النبي  منذ رآه. وخالد يقول: “إن رسول الله  لم يعدل به أحدا إذا حزبه أمر”. وعمرو يقول: “إن رسول الله  لم يعدل به أحدا إذا حزبه أمر.” وهذه الإشارات تدل على عظمة النبي ، فكل صحابي يشعر أنه أحب إلى رسول الله ، وأنه موقع ثقته وحده من دون الناس.) وغير ذلك من الأمثلة التي تُشْعر الدعاة أن الاستيعاب ضرورة في الدعوة، لتحقيقه يحتاج الداعية إلى استخدام لغة القلوب والأرواح، وفهم طبائع النفوس، وذلك قبل  استخدام لغة الألسن ومخاطبة العقول. فما يصلح لقوم قد يكون فتنة لآخرين! ودعوة الفرد قد تكون مفتاحا لهداية الأمم والشعوب. ومن هنا نشأت المنهجية الاستيعابية في الدعوة، والتي تقوم على المساواة بين المدعوين في أحقية نقل الدعوة إليهم، مع حسن تقدير الوسيلة المناسبة، وبراعة الاستهلال، مع الحرص الشديد على هدايتهم وتوصيل الدعوة إليهم.

ولقد تجلت في الدعوة المعاصرة عدة مظاهر تدل على تبني هذه المنهجية بين قطاع كبير من الدعاة المعاصرين منها:

– الاهتمام بإعداد الكوادر الدعوية المؤهلة بثقافة، ولغات، وتقاليد شرائح المدعوين المختلفة على مستوى العالم.

–  استخدام كثير من الدعاة ما يعرف بشبكات التواصل الكتروني، من أجل  الوصول إلى أكبر قدر من المدعوين، لتحقيق واجب البلاغ العالمي.

– تشجيع الدعاة لكثير من الغيورين في التخصصات المختلفة على تمثيل الإسلام والتعريف به في محيط الحياة العملية.

–  أصبح الإسلام من أكثر الأديان انتشارا في العالم، بالإضافة إلى زيادة عدد الراغبين في دراسة الإسلام والتعرف على أتباعه.

–  كثرة وتنوع وسائل الدعوة المعاصرة من المطبوعات والمرئيات والمسموعات بكل أنواعها، هذا بالإضافة إلى اتساع المراكز الميدانية حول العالم للتعريف بالإسلام.

ولا شك أن تحقق هذه المنهجية بنجاح، يتطلب من الدعاة الإحاطة بدراسات علم النفس والاجتماع والأمم والشعوب، هذا بجانب علم اللغة والثقافات المختلفة. ولعل هذا هو السبب في أن كثيرا من معاهد وكليات الدعوة الحديثة أضافت إلى برامجها هذه الدراسات، كموضوعات إجبارية يجب أن يحيط الداعية بها علما.

د. بسيوني نحيلة

———————-

راجع: تهذيب سيرة بن هشام، عبد السلام هارون، ص 274 وما بعدها.

السيرة النبوية دروس وعبر ، مصطفى السباعي ص 149 بتصرف يسير ،ط الثامنة 1405ﻫ- 1985م المكتب الإسلامي بيروت.

القول المبين في سيرة سيد المرسلين، محمد الطيب النجار، دار الندوة الجديدة بيروت، لبنان. مصدر الكتاب: موقع مكتبة المدينة الرقمية، المنهج الحركي للسيرة، منير الغضبان، ج3 ، ص 57.

المنهج الحركي للسيرة ، منير الغضبان، ج3، ص 91.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *