المسجد الأقصى صمام الأمان


تدل قرائن الأحداث والأحوال، أن الحقبة التاريخية التي تمر بها “الأمة الإسلامية” اليوم، هي من أشد الحقب سوءا وانحدارا، وذلا وشنارا، إن لم تكن أشدها وأقساها على مدار التاريخ، فقد فقدت هذه الأمة -التي صنعت أبهى أمجاد التاريخ، وسطرت أنصع صفحاته، وصاغت أرفع نماذجه- سيادتها على نفسها، وضاعت منها البوصلة في خضم بحر متلاطم يعج بتنازع شرس بين الأمم من أجل السيطرة على مقدرات العالم وامتلاك ناصيته، وصياغته وفق القالب الذي يضمن استمرار تلك السيطرة، للقوى التي تتفوق في امتلاك أعتى أساليب الكيد، وحيازة أفتك وسائل الإرهاب والتدمير.

وتدل القرائن أيضا أن رأس الحربة في صنع هذا الواقع المأزوم، ونسج خيوطه السوداء، ورسم الخطط التي تؤطر فصوله ومجرياته، هو الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين السليبة، الذي يتخذ منها قاعدة صلبة لتنفيذ تلك الخطط بمنتهى الدقة والإتقان، متخذا من عملائه من داخل الكيان العربي المنخور، ومن أوليائه وحلفائه في عالم الغرب الموتور، سندا ومطية لضمان بلوغ أهدافه الخبيثة ومآربه الدنيئة.

وتدل القرائن كذلك، أن هؤلاء العملاء المأجورين، بمختلف درجاتهم ومستوياتهم، وتباين أدوارهم ووظائفهم في خدمة الكيان الصهيوني، والمساهمة في التمكين له وتثبيت ركائزه، هم أكثر الناس انسلاخا من دين الإسلام، وما يستتبعه الإيمان به من التشبع بالولاء لرموزه ومقدساته، والحرص على مجد الأمة التي تحمله أمانة عز تذود به عن بيضتها، ورسالة هداية تبلغه للعالمين. وتدل هذه الأطروحة أبلغ دلالة، وتمثل أقوى شاهد على أن المحور الذي ترتهن به الأحداث في الوطن العربي والإسلامي، صعودا أو هبوطا، تأججا أو خمودا، والذي يمثل الفاعل الأقوى في تحريك تلك الأحداث إنما هو الوجدان الديني الذي يحرك المشاعر، ويبلور المواقف الحاسمة لدى الأفراد والكتل والجماعات، ويفضي بالتبع، وفق شروط محددة، إلى تغيير معطيات الواقع، وصنع التحولات النوعية التي تندرج في صيرورة استعادة الزمام، ثم استرجاع السيادة فالريادة والشهود.

ولعل الساحة التي تمثل ترجمانا صادقا لهذه الأطروحة، هي ساحة فلسطين التي ظلت منذ ما يناهز السبعة عقود من الزمن، بؤرة للصراع المحتدم بين حماة الدين في صفاء مورده وخلوص معدنه، وهم المسلمون الذين يستشعرون ثقل الإرث الذي حملوه، وبين من حملوه فلم يحملوه، ومن لف لفهم من عباد العجل الذهبي، الذين يدورون في فلكهم دوران الحمار حول الرحى، على اختلاف ما يرفعونه من لافتات وأسماء، وما يرددونه من شعارات جوفاء.

ويحتل القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك رأس الحربة في الذود عن حمى الأمة الإسلامية، من خلال المرابطين الشرفاء الذين يسترخصون أرواحهم، ويتخذون من أجسادهم دروعا لصد فلول اليهود المعتدين، صابرين على اللأواء، وكأني بالمسجد الأقصى المبارك يأبى إلا أن يكون الخط الأخير في جبهة الصراع الذي يستعصي على الاختراق والتجاوز والانهزام، وكأني به أيضا تلك الصخرة العصماء التي تتحطم على جنباتها  كل محاولات الاقتحام والمحو والاستئصال، وتنبعث من جوفها إشعاعات حارقة، تسحق كل من يقترب من حماها بنية السوء، وتفضحه على رؤوس الأشهاد؟

أو ليست قراءة متبصرة بما تمر به الأمة الآن، ولما كشف من مؤامرات دنيئة ضد شرفاء فلسطين وشرفاء الأمة العربية تحت لافتة محاربة الإرهاب، لبرهان ساطع على أن المسجد الأقصى المبارك هو صمام أمان الأمة المسلمة ضد أي محاولة للمحو والاستئصال؟ وأنه هو الكاشف المميز بين الصادقين في حبهم لفلسطين، وللقدس وللمسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، وبين الأدعياء الكذبة الذين لا تعدو علاقتهم بتلك المقدسات مجرد علاقة تجارة دنيئة بائرة؟

ويأبى الله  الذي شاءت حكمته أن يجعل من المسجد الأقصى المبارك مسرى لخاتم أنبيائه وأصفيائه سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، إلا أن يجعل مصير الطوائف والأحزاب المتربصة بالمسجد الأقصى المبارك وما حوله مصير  الأحزاب في غزوة الأحزاب، فالله عز وجل الذي حرك الريح التي هدمت خيم أعداء الرسول  وصحبه رضوان الله عليهم، وكفأت قدورهم وردتهم على أعقابهم خاسرين، قادر في كل حين، أن يهزم أحزاب المتآمرين على مقدسات المسلمين اليوم، ويخلط أوراقهم ويحبط مؤامراتهم، ويردهم مندحرين خائبين.

يقول الله : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المومنون (المائدة:11)، ويقول جل من قائل: ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (الأحزاب:9). صدق الله العظيم.

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *