اللغة العربية لغة القرآن الكريم: مباني ومعاني 2 – أصالة الحرف في بناء دلالة الكلمة (7)


بعد استراحة العطلة الصيفية التي قد تحدث بعض الغفلة أو النسيان بالنسبة لمن يعنيه تتبع الكلام في هذا الموضوع سنقوم بتلخيص مضامين الحلقات الستة الماضية. ونذكر هنا بأن مضامين هذه الحلقات تتناول محوارين: أولهما مقارنة ضمنية لترتيب أحرف المعاني وضبط معالم وظائفها في بنية الكلمة بين الخليل وسيبويه –وهو موضوع عارض– وثانيهما: السعي إلى ضبط دلالة الحرف في بنية الكلمة كما ينص عليه عنوان هذه الدراسة. ولذا نلخص مضمون كل حلقة على حدة من بين الحلقات الماضية كما يلي :

أولا – الحلقة الأولى:

يلاحظ بخصوص ما ذكرناه في هذه الحلقة نوع من المقارنة الضمنية بين الخليل وسيبويه وذلك بتحديد ميزة كل منهما المتعلقة بترتيب أحرف المباني من ذلك:

• أن الخليل يركز على تقسيم أحرف المباني إلى نوعين:

أولهما: أحرف صحيحة وهي أكثر عددا، وثانيهما: أحرف جوف وهي أعظم قيمة. ويضبط حيز كل نوع الذي: يخرج منه وهي مرتبة حسب أسبقية أحيازها.

• أما سيبويه فيتميز بذكر النمو العددي لأحرف المباني في اللغة العربية انطلاقا من العدد الأصلي الذي يتفق فيه مع الخليل وهو تسعة وعشرون حرفا، التي وصلت بالتفريع إلى اثنتين وأربعين.

ثانيا –  الحلقة الثانية:

في الحلقة الثانية ذكرنا أحرف المباني كما هي مرتبة عند الخليل في مخارجها وأحيازها، كما ذكرنا أمثلة لبعض الوظائف المتعلقة بهذا الترتيب. وهذا ما يجعل الترتيب مساهما بنسبة ما في تحديد وظائف الحروف . وقد ختمنا هذه الحلقة بنص لابن جني يفضل فيه ترتيب سيبويه لأحرف المباني على ترتيب الخليل وهذه ملاحظة ينبغي الاحتفاظ بها لأجل تأييدها أو نفيها بما يناسب من الحجج التي يمكن مصادفتها فيما بعد .

ثالثا – الحلقة الثالثة:

تتضمن هذه الحلقة أحرف المباني كما هي مرتبة عند سيبويه، ثم مخارجها الستة عشر حيث تم التنصيص على عدد ونوع الحروف التي تخرج من كل واحد منهما. وقد سجلنا بعض الملاحظات التي تمثل نوعا من التضارب في الترتيب والمخارج مقارنة مع ما في الصفحات التي خص بها سيبويه بعض الحروف اللينة (الواو، والياء) وكذلك الحرف الهاوي الذي هو الألف. هذا مع العلم أن الألف تشغل الرتبة الثانية في الترتيب العام لأحرف المباني عند سيبويه (ك4/ 431)والياء في الرتبة الثالثة عشر (ك 4/ 431). والواو في الرتبة الأخيرة بصفة عامة (ك 4/431) كما أن مخرج الألف من وسط الحلق مع الهمزة والهاء (ك 4/ 433) . ومخرج الياء من وسط اللسان بينه وبين وسط الحنك مع الجيم والشين (ك 4/ 433) في حين أن مخرج الواو من بين الشفتين مع الباء والميم (ك 4/ 433).

والملاحظ أن كل واحد من هذه الحروف أي الياء، والألف والواو ينسب إلى المخرج المذكور ضمن مجموعة من الحروف الصحيحة وهذا ما ينفي الفصل بين سمات حرفي اللين والهاء وبين غيرها من الحروف، ويناقض ما وصف به سيبويه نفسه هذه الحروف الثلاثة بقوله: «ومنها (اللينة) وهي الواو والياء، لأن مخرجهما يتسع لهواء الصوت أشد من اتساع غيرهما» (ك4/ 435) وقوله: «ومنها (الهاوي) وهو حرف اتسع لهواء الصوت مخرجه أشد من اتساع مخرج الياء والواو…» (ك 4/ 435- 436).

وقوله: «وهذه الثلاثة أخفى الحروف لاتساع مخرجها وأخفاهن وأوسعهن مخرجا: الألف، ثم الياء، ثم الواو» ( ك 4/ 436).

وعليه يمكن القول: إذا كانت مخارج هذه الحروف أوسع من مخارج غيرها من الحروف على الإطلاق فكيف ترتب معها في النظام العام أو في مخرج معين ؟ ألا يعتبر ترتيب الخليل أصح لما قسم الحروف بصفة عامة إلى قسمين : صحيحة وأحرف الجوف؟!…

رابعا – الحلقة الرابعة:

بعد تلخيصنا لبعض الملاحظات الواردة في الحلقة الثالثة تابعنا مناقشة العنصرين الباقيين رقم 3، 4 في الحلقة الثالثة ، وقد أشرنا إلى الخلل الذي يثبته مضمون المحور رقم (3) قبله ولذا فلا داعي للوقوف عنده مرة ثانية. أما بخصوص مضمون رقم (4) فإن الملاحظ أن وظائف أحرف المباني المستنبطة من الصفات التي وسمها بها سيبويه لا تتجاوز المجال الجمالي في بنية الكلمة وبعض الإجراءات المتبعة لإلحاق أبنية أحرف العلة بالأبنية المقيس عليها لأحرف صحيحة وفي هذا قال: «وإنما وصفت لك حروف المعجم بهذه الصفات لتعرف ما يحسن فيه الإدغام وما يجوز فيه ، وما لا يحسن فيه ولا يجوز فيه. وما تبدله استثقالا كما تدغم وما تخفيه وهو بمنزلة المتحرك» (ك 4/ 436).

خامسا – الحلقة الخامسة:

وقد ضمناها بعد التقديم العناصر التالية:

• ترتيب أحرف المباني وضوابطها عند الخليل

ب – ذكر بعض وظائف أحرف المباني العامة والخاصة في بنية الكلمة انطلاقا من صفاتها المكتسبة من مخارجها وأحيازها

وقد ختمنا الحلقة بتساؤل يتعلق بسبب حرص الخليل عن التمييز بين أحرف الذلق والشفتين ، وبقية أحرف المباني.

سادسا – الحلقة السادسة:

وتتضمن أمثلة من الضوابط التي استعملها الخليل لتصنيف أحرف المباني، والتنصيص على بعض وظائفها العامة والخاصة من ذلك حرصه على التمييز بين أحرف الذلاقة والشفتين وغيرها من الحروف وقد سجلنا بهذا الخصوص بعض العبارات الملحة على ضبط معالم التنظير اللغوي المتميز في هذا المجال.

هكذا يتضح من خلال ملخصات الحلقات السابقة أن الحلقة الأولى تتضمن إيجابيات كل من الخليل وسيبويه بخصوص ترتيب أحرف المباني بعد عدها، حيث تتضح إيجابية الخليل في حسن تقسيمها العام إلى صحيحة وأحرف جوف، في حين أن إيجابية سيبويه تتجلى في مدِّ العدد من الأصل المشترك بينه وبين الخليل وهو تسعة وعشرون حرفا إلى اثنين وأربعين بقطع النظر عن تصنيف مستوياتها في الصلاحية.

أما الحلقات الخمس الباقية فإنها موزعة بين النوعين: حلقتان لسيبويه هما الرابعة والثالثة، وثلاث حلقات للخليل هي الثانية، والخامسة والسادسة، فبالنسبة لحلقة سبيويه نلاحظ معالم اضطراب ترتيب أحرف المباني في الحلقة الثالثة، ومحدودية وظائفها في الحلقة الرابعة.

أما الحلقات الخاصة بالخليل فقد حدد المعالم الايجابية لحروف المباني في الحلقة الثانية، وقدم نماذج تطبيقية في الحلقتين الخامسة والسادسة.

وقد لاحظنا أن سيبويه يؤيد منهج الخليل ويناقض نفسه فيما قدمه من وصف لأحرف اللينة والهواء. وهذا ما نص عليه بوضوح وهو يتحدث عن خصائص حرف الهمزة في التركيب يقول في: “باب الهمز (كـ 3/541) واعلم أن الهمزة إنما فعل بها هذا من لم يخففها، لأنه بعد مخرجها، ولأنها نبرة في الصدر تخرج باجتهاد، وهي أبعد الحروف مخرجا فثقل عليهم ذلك لأنه كالتهوع”.(كـ 3 /548).

وهذا الذي قاله سيبويه بخصوص حرف الهمزة أعلاه يذكرنا بقول الخليل – كما مضى في الحلقة الرابعة – “وأما الهمزة فمخرجها من اقصى الحلق مهتوتة مضغوطة فإذا رُفّه عنها لانت فصارت [ك] الياء والواو والألف من غير طريقة الحروف الصحاح” ع 1 /52.

وما قيل عن سيبوبه بخصوص مقارنة عمله بعمل الخليل في هذا المجال ينطبق على ابن جني الذي يفضل ترتيب سيبويه على ترتيب الخليل، ولا يتسع المجال لإثبات النصوص الدالة على ذلك، ولذا نكتفي بالإحالة على ما قاله في هذا الموضوع في “سر صناعة الإعراب” ج/7-8و41.

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *