مظاهر خلق الوفاء في سيرة رسول الله  وأهمية التخلق بها


خلق الوفاء من أعظم الأخلاق، ومن أفضل السلوكيات الاجتماعية، التي على الإنسان أن يحرص على التخلق بها، وإذا كان الوفاء من أعظم الأخلاق وأكرم الشيم، فرسولنا  هو الوفاء نفسه، وهو الكمال ذاته، وهو أوفى  الأوفياء، وسيد الأتقياء، فلقد كان وفيا في كل شيء، ومع كل شيء، كان وفيا مع ربه، وفيا مع أصحابه، وفيا مع أزواجه، بل كان وفيا حتى مع وطنه، فقد كانت حياته كلها وفاء، فهيا بنا لنلتقط صورا من وفائه .

أولا: وفاؤه مع ربه:

كان  من أوفى الناس مع ربه ومولاه، فكان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه فيقال له: لم تفعل وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» (صحيح البخاري). وليس هذا فقط، بل كان وفيا لربه، حتى قبل البعثة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يلحق بغار حراء فيتحنث فيه -أي يتعبد- الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة. (صحيح البخاري ومسلم).

ثانيا: وفاؤه مع الناس، وهذا يشمل أمورا عديدة منها:

1 – وفاؤه مع الصحب الكرام:

وفاؤه  لأصحابه كان وفاء لا مثيل له، فكان يعرف للصحبة حقها مهما كانت الظروف، ومهما كانت الأحوال، فهذا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه يقول: “ما منعني أن أشهد غزوة بدر، إلا أنني خرجت -أنا وأبي حسيل- من مكة إلى المدينة مهاجرين، فأخذنا كفار قريش، فقالوا إنكما تريدان محمدا؟ فقلنا: ما نريد إلا المدينة، فخلوا سبيلنا بعد أن أخذوا علينا عهد الله وميثاقه ألا نقاتل معه، فلما كانت غزوة بدر، أردنا أن نشارك فيها، فأخبرنا رسول الله  بما كان بيننا وبين قريش، فقال: «انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين بالله عليهم» (صحيح مسلم). فما أعظم هذا الوفاء؟ وأين نحن من وفاء رسول الله؟

2 – وفاؤه مع أزواجه:

وفاؤه عليه الصلاة والسلام لأزواجه الطاهرات كثير جدا جدا، أقتصر على وفائه مع السيدة خديجة رضي الله عنها، حيث كان وفيا معها؛ لأنها وقفت بجانبه قبل البعثة وبعدها، واسته بمالها إذ حرمه الناس، وواسته بنفسها، فكانت تشد أزره، وتفرج همه، وكان هذا الوفاء معها في حياتها وبعد مماتها، ففي حياتها نجد أنه  لم يتزوج عليها امرأة أخرى حتى ماتت، على الرغم من أنه تزوجها وهي في الأربعين من عمرها، وهو في ريعان شبابه، وأما بعد مماتها، ففي صحيح البخاري: “كان النبي  يكثر ذكرها، وربما ذبح الشاة، ثم يقطعها أعضاء، ثم يبعثها في صدائق خديجة” تقول السيدة عائشة فربما قلت له: “كأنه لم يكن في الدنيا امرأة غير خديجة؟ فيقول: «إنها كانت وكانت.. وكان لي منها الولد»، ودخلت عليه امرأة فرحب بها وأحسن السؤال عنها، فلما خرجت، قال: «إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان» (رواه الحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين).

3 – وفاؤه لأقربائه:

من أقرب الناس إليه عمه أبو طالب، الذي كان يعتبر الجبهة الخارجية في الدفاع عنه، أبو طالب حينما أوشك على مفارقة الحياة، جلس  بجواره لينتشله من الأشقياء إلى السعداء، ليفي له بما فعله معه، جلس بجانبه وقال له: «يا عم قل: لا إله إلا الله، أحاج لك بها عند الله»  لقد جعله وفاؤه يقول له: «لأستغفرن لك ما لم أنه عن ذلك» فما زال يستغفر له حتى أنزل الله قوله: ما كان للنبيء والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (التوبة: 113). وقال للرسول : إنك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (القصص: 56).

4 – وفاؤه لصاحب الجميل:

لقد كان رسول الله  وفيا لكل من صنع له معروفا، أو نصره ودافع عنه، ومن ذلك: وفاؤه لأبي بكر الصديق ، حيث قال عنه: «ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر، فإن له عندنا يدا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مال قط، ما نفعني مال أبي بكر، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن صاحبكم خليل الله» (سنن الترمذي)، وقال عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: «هذان السمع والبصر». وقال عن الأنصار الذين آووه ونصروه: «استوصوا بالأنصار خيرا» وقال عنهم: «لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار» (صحيح البخاري).

5 – وفاؤه لوطنه:

كان  وفيا لوطنه الذي ولد فيه، وتربى على أرضه، كان يحب مكة المكرمة أعظم الحب؛ لأنها مكان البيت الحرام، ولأنها مدرج طفولته، وملعب صباه، ومشرق رسالته، وعندما اضطره المشركون للخروج منها قال: «قد علمت أنك خير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت» (رواه أحمد والحاكم).

فتأمل أخي الحبيب هذا الوفاء الذي لم تعهده هذه البشرية من قبل ولا من بعد، واحرص على أن تقتدي بصاحب الخلق العظيم، وسيد الأوفياء والصالحين.

ذ. رضوان طوبي

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *