صور سامية من تضحيات رسول الله  (2)


في قراءتنا للسيرة النبوية، نجد أن الفترة المكية من حياة محمد  بعد البعثة تنقسم إلى ثلاث فترات:

الفترة الأولى: ومدتها تقدر بحوالي سنتين وتبدأ من بداية نزول الوحي على رسول الله ، وتنتهي بدخول بيت الأرقم بن أبي الأرقم، عند الصفا، اتخذها الرسول  مقرا لدعوته.

والفترة الثانية: هي فترة بيت الأرقم ومدتها ثلاث سنوات وتنتهي بعد إسلام عمر بن الخطاب .

والفترة الثالثة: هي فترة الدعوة العلنية والصراع مع كفار قريش، وقد دامت ثمان سنوات منذ الخروج من بيت الأرقم إلى هجرة الرسول  إلى (يثرب) المدينة المنورة.

في الفترة الأولى من الحقبة المكية، حيث تجمعت حول الرسول  قلة قليلة آمنت به وبرسالته في مقدمتها السيدة خديجة، ثم علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة وأبو بكر الصديق. وممن آمن في هذه الفترة بلال الحبشي وخباب بن الأرث وعمار بن ياسر، ونفر من ضعفاء الناس.

لم يكن الإسلام قد سمي باسمه بعد، فكان الناس يقولون: إن فلانا قد صبأ، والمراد أنه ترك عبادة الأوثان، أو كانوا يقولون: دخل فيما يدعو إليه محمد ، وكان بعض القرشيين لا يصدقون أن الوحي يتنزل على محمد ، يقولون: غلام بني عبد المطلب يزعم أنه يكلم السماء.

وفي نهاية السنة الخامسة للبعثة كان إسلام عمر بن الخطاب ، ففرح المسلمون بإسلامه، وقرروا الخروج من بيت الأرقم والدعوة لدينهم علنا، فبدأ الصراع العنيف بين المسلمين وكفار قريش، وقد تزعم العداء للإسلام في هذه الفترة أبو جهل وجماعته، ووقع صدام شديد بين الجانبين، وهنا دعا أبو طالب ابن أخيه محمدا أن يرضي كفار قريش بطلب منهم، ويكف عن تسفيه أحلامهم وسب آلهتهم وآبائهم، فرفض وقال: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». فبكى رسول الله . فقال أبو طالب: اذهب يا ابن أخي فقل ما شئت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا.

وبعد أن يئس كفار قريش من صرف الرسول  عن رسالته بدأوا في اضطهاد المستضعفين من أتباعه من أمثال بلال الحبشي، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرث، وخاف رسول الله على أصحابه من أذى كفار قريش، فأمرهم بالهجرة إلى الحبشة (إثيوبيا اليوم) كان فيها ملك لا يظلم عنده أحد، ليعيشوا هناك في أمان على عقيدتهم، وعلى الرغم من صعوبة الرحلة، فإن حوالي أحد عشر رجلا وأربع نساء تمكنوا من الإبحار إلى الحبشة، فتبعهم بعد مدة سبعون من الصحابة والصحابيات، حيث استطاعوا أن يمارسوا عبادتهم في أمان، واستطاعوا كذلك أن يكسبوا عيشهم دون مشقة، وبقي الرسول  في مكة مع فئة من أصحابه، كأبي بكر، وعمر وحمزة، وعمل الميسورون في الرزق من أصحاب الرسول على إنقاذ المستضعفين، فكانوا يشترون الأرقاء منهم من سادتهم ويعتقونهم لوجه الله تعالى، وكان أكثر من فعل ذلك أبو بكر وعثمان بن عفان.

كانت الجماعة التي آمنت برسالة محمد  تتكون من ثلاث فئات:

الفئة الأولى: جماعة من أصحاب الذكاء والمواهب والصلابة والمال، دخلوا في الإسلام عن إيمان صادق ونفوس راضية، لا تعرف الخوف، من أمثال أبي بكر، وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان، وحمزة، وعمر بن الخطاب.

والفئة الثانية: هي فئة الشباب، وهؤلاء دخلوا في الإسلام عن إيمان وحماس وعن رغبة في القيام بشيء لصالح الدعوة، ومن هؤلاء مصعب بن عمير، وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون ومن في سنهم.

والفئة الثالثة: هي فئة المستضعفين في الأرض ممن لم يكن لهم قبل الإسلام كيان ولا قيمة في المجتمع المكي أمثال بلال الحبشي، وعمار بن ياسر، وخباب بن الأرث، وعبد الله بن مسعود، هؤلاء أوجد لهم الإسلام كيانا ورفع من قدرهم.

كان رسول الله  من عادته بعد البعثة أن يعرض نفسه ودعوته على القبائل التي كانت تحضر كل سنة في منى في موسم الحج، فلقي جماعة من شباب (يثرب) المدينة المنورة، فدعاهم إلى الإسلام، فأسلموا وبايعوه فسميت البيعة ببيعة العقبة الأولى، وفي العام الموالي رجعوا وكان عددهم ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان ومعهم مصعب بن عمير، فبايعوا الرسول  فسميت البيعة ببيعة العقبة الثانية.

ذ. أحمد حسني

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *