ركن الحج – تجسيد للتعبد الحقيقي الشامل، ومشاهدة حية لأسرار الخلق البديع


 

إننا نعيش هذه الأيام نفحات ربانية، ومشاعر روحانية عالية، الأفئدة فيها يغمرها الشوق والحنين، والعقول معها يملؤها التأمل والحدس الدفين…، تسأل وتستفسر: من هدى العباد إلى عمارة البيت العتيق؟ ومن أرشد الخلق إلى إجابة نداء نبيه الخليل إبراهيم ؟ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَام(الحج: 27 – 28) إجابة معها الإخبات والخشوع، والبكاء والخضوع…، بل إنها إجابة لم يصرف عنها -وهذا هو موطن العبرة والعظة- ما تنشره وتزخرفه وسائل الإعلام وغيرها عن أماكن اللهو والعبث، والراحة والاستجمام، والفن والمسرح…الخ.

إن الذي فعل ذلك كله هو أحكم الحاكمين ورب العالمين والمتحكم في قلوب خلقه أجمعين…

إن الحج ركن من أركان ديننا الحنيف كما هو معلوم” بني الإسلام على خمس…” ومنها “وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا”(رواه البخاري ومسلم)،  وهو شعيرة من أعظم شعائر هذا الدين؛ وغير خاف أن تعظيم شعائر الله دليل على الطهر والصفاء، وعلى السمو والنقاء، قال تعالى: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب(الحج: 32). والذي ينبغي لكل عاقل وعاقلة، أن يقوم به تجاه هذه الفريضة العظيمة، سواء كان ممن كتب له أداؤها والقيام بها، أو كان ممن يرجو ذلك ويأمل تحقيقه،… أن يقوم بالتأمل فيها، والتعرف على بعض أسرارها، فإن لها أسرارا عجيبة، وتتضمن آيات باهرة، لعل من أبرزها أنها تمثل:

التطبيق العملي الميداني لمفهوم العبودية الحقيقية التي تعني مطلق الخضوع وتمام الانقياد للذي خلق هذه الأكوان سبحانه وتعالى وهو الله . ففي هذا الركن العجيب ركن الحج، نجد الخضوع الكلي لله رب العالمين ، وذلك على عدة مستويات، إذ إن هناك خضوعا تاما وانشغالا عاما على مستوى العقل والقلب والبدن والمال، وعلى مستوى ما يُدرَك سره وما لا يُدرَك…؛ فتجد المرء العازم على الذهاب إلى أداء هذه الفريضة العظيمة، منشغلا عقله انشغالا كليا: يفكر في الذهاب وطريقته، وفي مفارقة الأهل والأحباب وتوديعهم، وفي الرفقة ونوعها، وفي أداء هذا الركن وطريقة القيام به، وفي العيش بالأماكن المقدسة وأسلوب التعامل معها، وفي الرجوع متى وكيف وبأي نتيجة يتم؟…إنه انشغال عجيب، لا يناظره إلا انشغال الروح والقلب بتلك الروحانية العالية، والتنافس التعبدي المبارك، انشغال ينسى معه الحاج أهله وأقاربه وماله كله، ويضحي من أجله، بخضوع بدنه كله ، فيتحمل مشاق السفر، والإقامة والزحام ونوع الأكل…، بل ويضحي بماله الذي يُخضعه هو الآخر إخضاعا كليا، فلا يبخل به، ولا يتردد في التضحية به مهما ارتفع واجب القيام بهذه الفريضة العظيمة…، إنه خضوع كلي وإخضاع كلي، سواء لما يدركه العبد ويفقه سره ووجه القيام به من تلك المناسك، أو لما لم يدركه منها، كسِرِّ تقبيل الحجر الأسود ونحوه، فسبحان من هدى عباده إلى هذا …

يعد الحج، تفعيلا للأمر الرباني المرتبط بضرورة السياحة الربانية في الأرض، للتعرف على الآيات الكونية ، والاطلاع على الأسرار الربانية، المتجلية في شساعة هذا الكون، وفي تباعد أطرافه، وفي تسخير الله أرضه وسماءه وبحاره وخلقه كله لهذا المخلوق الضعيف وهو الإنسان… قال تعالى عن تلك السياحة المطلوب القيام بها: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا(الحج: 46). وقال سبحانه: قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ(العنكبوت: 20).

الحج أيضا فرصة مناسبة للحصول على مشاهدة حية، ورؤية واقعية لمصداق وواقع قوله سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِين(الروم: 22)بفتح اللام وكسرهاوقوله جل جلاله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا(الحجرات: 13). فالمرء يرى بأم عينيه كما يقال، أقواما عديدة، وألسنة مختلفة، وقامات متنوعة، وألوانا كثيرة عجيبة… لايسعه معها إن كان من العالِمين إلا أن يقول: سبحان من خلق فأبدع، وأنشأ فأتقن ما صنع…

أن الحج، يعد تجسيد حقيقي للتواصل الحضاري الهادف، وللترابط البشري البناء المبني على الكرامة والطهر والحياء، وليس على الميوعة والمكر وخداع البسطاء …؛ فمعظم الشعائر التي يمارسها ويقوم بها الحاج، ترتبط بأب الأنبياء وإمام الموحدين إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام، ابتداء من النداء الأول الخاص بهذا الركن العظيم، ومرورا بالسعي بين الصفا والمروة، ووصولا إلى مختلف الشعائر التي يتم القيام بها فيه، قال:وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ(الحج: 27 – 28). وقال تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا(آل عمران: 96 – 97)، بل إن التواصل الحضاري، والترابط البشري، اللذين يعد ركن الحج تجسيدا لهما، هو تواصل وترابط أفقي وعمودي؛ أي أنه تواصل وترابط مرتبط بالتاريخ وبالحاضر…، بالتاريخ كما هو واضح من ارتباط هذا الركن العظيم بإمام الموحدين إبراهيم الخليل …، وبالحاضر كما هو بين من ذلك التواصل العجيب الغريب الذي يقع أثناء أداء هذه الفريضة المباركة مع أقوام عديدة، ذات ألسنة مختلفة، وقامات متنوعة، وألوان كثيرة عجيبة…

د. عبد الله طاهيري

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *