بعض القواعد الضابطة لجعل الاختلاف رحمة  (3)


 

تناولالدكتورفيالحلقةالسابقةجملةمنالقواعدالضابطةللاختلاف،ويواصلفيهذهالحلقةالحديثعنهذهالضوابطقاصدامنذلك  نقلالأمةإلىتدبيرالخلافتدبيراشرعيايحقلهاالوفاقوالائتلاف.

القاعدة السابعة: الكف عمن قال لا إله إلا الله:

فكل من قال لا إله إلا الله فقد دخل الإسلام بيقين. واليقين لا ينتقل الإنسان منه إلا بيقين مثله أو أقوى منه، لا يخرج منه بالظن، ولا بالوهم، ولا بالخرص، ولا بالحدس، ولا بالشك. فالتساهل في إيقاع التكفير بالمخالف في قضايا تحتمل أكثر من وجه في التفسير عقبة كؤود لا يقع فيها إلا من لا يبالي بدينه. ولذلك الحذر، الحذر من الوقوع في ذلك التكفير، والتضليل والتفسيق والتبديع والتجهيل بالنسبة للمخالف، فالله سبحانه وتعالى ما نصبنا قضاة على الناس، نحن دعاة ولسنا قضاة، هداة ولسنا جباة، ولاة ولسنا قساة، مهمتنا البلاغ، مهمتنا فذكر فإنما أنت مذكر، مهمتنا أن نهدي بمعنى: أن ندل الناس على طريق الخير دلالة بالبيان، ودلالة بالعمل والسلوك والحال. فمن بعد ذلك، نترك فصل القضاء لله رب العالمين.

القاعدة الثامنة: قاعدة العدل والإنصاف مع الموافق والمخالف:

في حالة الحب وفي حالة البغض، في حالة الولاء وفي حالة البراء، العدل في كل حال، وانظر لأهل السنة في تاريخهم كيف تعاملوا. كلكم تعلمون أن الخوارج ضلوا الطريق، خرجوا عن جماعة المسلمين، سفكوا الدماء، كفروا الصحابة، استحلوا الدماء، ومع ذلك كان الإنصاف عند الإمام علي  فقد سئل: “أكفارٌ هم؟ قال: بل من الكفر قد فروا”. أمن المنافقين هم؟ قال: ﴿إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا﴾. ما شأنهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا. هذا الإنصاف كان سمة لأهل السنة. سمة لعلماء هذه الأمة ودعاتها الفضلاء الذين استقاموا على هذا المنهج.

والخوارج رغم بدعتهم في تكفير المسلمين إلا أن أهل الصحاح خرجوا لهم في الصحيحين، والإمام الزمخشري، إمام فحل، كبير، وهو من أئمة الاعتزال، خالف أهل السنة في بعض القضايا، ولكنه كان في باب الإعجاز اللغوي البياني لا يشق له غبار، كتابه أساس البلاغة، الفارق بين الحديث والأثر، المفصل في علم العربية، وغير ذلك، وكتابه الكشاف يدل على علو كعبه في هذا العلم، حتى هو قال عن كتابه:

إن التفاسير في الدنيا بلا عــــــــدد

وليس فيها لعـــمري مثل كشــافي

إن كنت تبغي الهدى فالزم قراءته

فالجهل كالداء والكشاف كالشافي

وقد كان شديد الوطأة على أهل السنة، بعبارات جافة وحادة، ومع ذلك انتفع أهل السنة بعلمه فيما أحسن فيه. وصحيح أن ابن المنيرة الإسكندراني جاء وتعقب الاعتزاليات التي في كتابه، وكثير ممن جاء بعده من علماء السنة استبطن فيما أبدع فيه وأنجز في وجوه الإعجاز البياني اللغوي من هذا الكتاب. لم يمنعهم أن الرجل له آراء اعتزالية خالف فيها أهل السنة من أن ينصفوه فيما أحسن وأجاد؛ وكان هذا هدي نبينا  الذي علمه لأصحابه. وعمرو بن العاص حين ذكر له الروم، ذكر: إن فيهم خصالا أربع، وذكر فيهم أحلمهم عند المصيبة، وكذا…وكذا…وكذا…والخامسة: وأمنعهم من ظلم الملوك. ذكر فيهم خصالا كانت حسنة مع المخالفة، إذن فالمخالفة في الدين أو في المعتقد أو في المذهب أو في الفكر لا تحملنك على عدم الإنصاف مع الذي تخالفه، بل تتحرى هذا الأدب: وإذا قلتم فاعدلوا، عدل في الأقوال، عدل في الحكم: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، عدل في الشهادة: وأشهدوا ذوي عدل منكم. هذا العدل في كل حال، ينبغي أن يكون ديدنا في التعامل مع ظاهرة الاختلاف؛ لأن بعض الناس عندهم الناس صنفان: إن كنت معي فأنت قديس، وإن كنت لست معي فأنت إبليس، بين قديس وإبليس، لا منطقة وسطى، والأمر ليس كذلك. وبعض الناس يقول لك العلاقة مع الآخر الأصل فيها العداء، لا يا أخي هو الآخر نفسه ليس حالة ثابتة، الآخر حالة متحركة. إن كان كافرا قد يسلم، وإن كان محاربا فقد يكون مسالما، وإن كان مناصبا للعداء فقد يكون موادعا ومهادنا، حالة العداء الوحيدة التي لا تتبدل ولا تتغير لا تنطبق إلا على الشيطان: إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا. وبعد ذلك، فكل شيء متحرك، ما دام من حقك أن تكيف نفسك بحسب الحالة التي يكون فيها الآخر. فلا تنظر إلى نصف واحد من الكأس، ولذلك قضية العدل والإنصاف وقضية التحري هي مما يعين على تقريب الشقة، وتحقيق هذا التراحم الذي نحن أحق به.

إن رحم الأخوة هو من أصل الإيمان، وما كان من أصل الإيمان لا ينبغي أن ينخرم في جزئية من جزئياته، سواء كان في فروع الدين، في فروع العقيدة، أو في فروع الفقه، أو في فروع السياسة، أو في فروع الاجتماع، أو في فروع الفكر، أو في فروع الاقتصاد، أو في فروع الحياة.

وبهذا نجعل الاختلاف، إذا راعينا هذه الآداب، اختلاف رحمة، اختلاف تنوع، وليس اختلاف تضاد، يشكل عامل ثراء، وعامل خصوبة. وانظروا في كتب تراجم العلماء وسير العلماء، كيف أن العلماء يخالف بعضهم بعضا، ولكن يحفظون هذا القدر. نحن نريد لأجيالنا أن تنمو على هذا الرصيد الزاخر من هذا العطاء الحضاري لأمتنا، أن يستصحبوا مع الخلاف أدب الاختلاف، وأن يستصحبوا مع العلم أدب العلم.

ضعف الالتزام بآداب الخلاف: صور وأسباب؛

بعض الناس يجتهد، ولأن المشكلة في أن الناس لا يحسنون أدب الاختلاف أصلا في طلب العلم؛ لأنهم ما أخذوا العلم عن أصوله، ما تلقوه عن الشيوخ، ما تلقوه عن الراسخين فيه، أخذوه من الكتب، أو أخذوه من الشيخ غوغل عليه رحمة الله، قال أبو فلان، أبو فلان، الله أعلم أبو فلان ما هي سيرته، عمن أخذ العلم. ما أخذوا العلم. العلماء قديما كانوا يصحبون العالم، ليأخذوا العلم، وليأخذوا أدب العلم قبل العلم. وابن الجوزي له عبارة جميلة: “قد رأيت الاشتغال بالعلم وسماع الحديث، لا يكاد يكفي لصلاح القلب، إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالح”. ولقد كان السلف الصالح يذهبون إلى الرجل الصالح للنظر إلى سمته وهديه قبل اقتباس علمه؛ لأن ثمرة علمه هديُه وسمته، هو يستبطن علمه، يستبطنه في هديه وقدوته. فلذلك بعض الشباب الآن حفظة، حفظة نصوص، كما قال الشاعر:

ودخلت فيها جاهلا متواضعا

وخرجت منها جاهلا مغرورا

فما أخذ من العلم شيئا، ولكنه تحول من جاهل متواضع إلى جاهل مغرور. فالقرآن الكريم يردنا أن نحترم في أدب الاختلاف التخصص، وللأسف بعض الناس يقول ليس في الإسلام كهنوت، نعم ليس هناك طبقة تسمى رجال الدين. لكن عندنا علماء، وعندنا أتباع، وعندنا عوام، والإمام علي  يقول: “النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ”. والقرآن يؤكد هذا المعنى: لعلمه الذين يستنبطونه منهم، فاسأل به خبيرا، فاسألوا أهل الذكر، ولا تقف ما ليس لك به علم، أن تقولوا على الله ما لا تعلمون، ما معنى أن نحترم أهل التخصص في كل العلوم؛ في الطب والهندسة والفلك والأحياء والفيزياء، أما الدين كالكلإ المباح يرتاع فيه كل من هب ودرج  من الناس. لا بد من احترام التخصص، وهناك فرق بين حفظة النصوص وبين من يفقه النصوص، هنالك فرق بين علم الرواية وعلم الدراية، النبي  فرق بين هذا وذاك: «نضَّر الله امرأً سَمِع مني مقالة» هذا يمكن أن يكون حافظا لكن قال: «فوعاها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». ولذلك قالوا: المحدثون صيادلة، والفقهاء أطباء. فالصيدلي يحقق الدواء وفق التركيبة الطبية المعلومة، لكن هذا الدواء يصلح لماذا؟ لأي نوع من أنواع المرض؟ هذا يحدده الطبيب. ولذلك فالأئمة الأربعة جمعوا بين علم الرواية وعلم الدراية، ولكن من العلماء من اقتصر على علم الرواية. الإمام الأعمش السليماني رحمه الله من المحدثين الكبار، وكان يروي أحاديثا لأبي حنيفة، فجاءت امرأة تسأل أبا حنيفة عن مسألة، فالأعمش حار عن الجواب، فأجابها أبو حنيفة، فقال الأعمش وقد تعجب: يا أبا حنيفة من أين أجبتها؟ قال: من حديثك الذي رويته لي. فهذا حافظ، يقول لك الحديث صحيح أو ضعيف، ولكن ما يستنبط من الحديث فقها ودلالة وحكما، هذا شيء آخر، هذه ملكة، الفقه ملكة وصناعة. فليس كل من قرأ الآية والآيتين، والحديث والحديثين يصف نفسه إماما للفتيا، هم رجال ونحن رجال كأنها معركة على الذكورة والفحولة، فهذا عبث. الدين يحترم التخصص، ولا بد أن نرجع إلى قضية التخصص.

 

الدكتور عصام البشير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>