العمل الاجتماعي التطوعي في العهد النبوي نماذج من مشاركةالصحابة


يعد العمل الاجتماعي من سنن التعاون التي أسس الحق تبارك وتعالى عليها المجتمع كما أمر ذلك في قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان(المائدة: 2). قال العلامة السعدي (المتوفى: 1376هـ) رحمه الله: أي ليعن بعضكم بعضاً على البر، وهو اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال الظاهرة والباطنة من حقوق الله وحقوق الآدميين”(1) ولقد ضرب مجتمع النبوة أروع الأمثلة في بناء المجتمع القائم على التعاون والتضامن، مصداقا لقوله تعالى: والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون(الحشر: 9). وذلك بفضل بنائه العقدي والإيماني الذي يجعل من كل فرد أمة وحده على نحو ما خلد القرآن الكريم عن سيدنا إبراهيم الخليل ، قال الحق سبحانه: إن إبراهيم كان أٌمة قانتا لله(النحل: 120)، قال الإمام القرطبي (المتوفى: 671هـ) رحمه الله: “والأمة: الرجل الجامع للخير”(2).

1 – نماذج من مشاركة النبي عليه الصلاة والسلام في العمل الاجتماعي:

إن المتأمل في كتب السيرة يلاحظ أن سمات الجود والكرم، خلقت مع النبي عليه الصلاة والسلام منذ نشأته، فقد فاق كل كرماء العرب والعجم في الكرم والسخاء، ووصفه بذلك كل من عرفه، فعن ابن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله  يقول: “ما سئل رسول الله  شيئا قط فقال لا”(3)، قال الإمام النووي: “في هذا كله بيان عظيم سخائه، وغزارة جوده  ومعناه ما سئل شيئا من متاع الدنيا”(4). ومن مشاركاته :

 مشاركته وهو غلام مع بني عمومته في حلف الفضول قبل بعثته:

وقد شارك  في هذا الحلف وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، وهو ما يبين تعلقه  بمثل هذه الأعمال منذ صغره، قال محمد بن إسحاق: “تداعت قبائل من قريش إلى حِلْف، فاجتمعوا له في دار عبد الله بن جدعان، لشَرَفه وسنِّه، فكان حِلْفهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطَّلب، وأسد بن عبد العزَّى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرَّة، فتعاقدوا وتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكَّة مَظْلومًا من أهلها وغيرهم -ممَّن دخلها من سائر النَّاس- إلا قاموا معه، وكانوا على مَن ظَلَمه حتى تُرَدَّ عليه مَظْلمته، فسمَّت قريشٌ ذلك الحِلْف: حِلْف الفُضُول”(5). وقد كان الهدف الأسمى إذن من عقد هذا الحلف بين القبائل هو تعاهدهم على ما فيه مصلحة الأمة، من تحقيق الأمن الاجتماعي والاستقرار النفسي لكل مقيم ووارد على مكة المكرمة، فاتفقوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا دخلها من سائر الناس، إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فكان للنبي منه نصيبه من فضل المشاركة فيه قبل البعثة.

 مشاركته  في بناء الكعبة ووضعه الحجر الأسود في مكانه قبل بعثته:

وكانت مشاركته  في بناء الكعبة قبل بعثته، حين كان عمره خمساً وثلاثين سنة أي حين اجتمعت قريش لتجديد بناء الكعبة المشرفة لما أصابها من تصدع جدرانها، وكانت لا تزال كما بناها إبراهيم  رضما (حجارة) فوق القامة، وقد شارك النبي  وعمه العباس في بناء الكعبة وكانا ينقلان الحجارة، جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي  وعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي : اجعل إزارك على رقبتك، فخر إلى الأرض، وطمحت عيناه إلى السماء، فقال: «أرني إزاري» فشده عليه”(6)، كما نال  شرف وضع الحجر الأسود في موضعه من الكعبة المشرفة.

 مشاركته  في بناء المسجد النبوي:

يعتبر بناء المسجد النبوي أول عمل قام به النبي  لما نزل المدينة المنورة، وذلك لاعتبار المسجد مكان اجتماع المسلمين على أمور دينهم ودنياهم ومكان وحدة صف الأمة ولم شملها، ففيه تجتمع الأمة لاتخاذ القرارات الحاسمة في جميع الأمور، وفيه يتم جمع الأموال للجهاد ولمساعدة المحتاجين، وإيواء فقراء المسلمين، وقد ظل النبي  مع أصحابه رضي الله عنهم يعمل في بناء المسجد من اللحظة الأولى إلى أن انتهى بنيانه، فأقام فيه الصلوات وخطبة الجمعة، فهو بذلك يعلمنا عليه الصلاة والسلام أن نكون عمليين في كل أمورنا، وأن نشارك في كل المناسبات التي تخص المساجد، وما تحتاج إليه من تنظيف دائم واهتمام بفرشه وأثاثه، ورعاية مستمرة لجميع مرافقه.

2 – نماذج من إسهام الرعيل الأول في تنمية العمل الاجتماعي:

يعتبر جيل الصحابة الكرام المثلَ الأعلى في الفهم الصحيح لنصوص كتاب الله  وسنة رسول الله ، وحُسن أخذِهم بالإسلام فتربوا على صور وأنواع الخير، فكانوا لا يفرِّقون بين فرضٍ ونفل وتطوُّع في الامتثال والعمل.

وكانوا يتلقَّون جميعَ أحكام الإسلام المفروضة والمسنونة على حدٍّ سواء فكانوا جيلا فريدا لم يظهر مثله في التاريخ.

 أبو بكر الصديق، عُرف بين الصحابة في سبقه إلى فعل الأعمال التطوعية من خلال مجموعة من المواقف أورد منها.

– إيثاره بإنفاقه ماله كله، في مواقف متعددة في سبيل الله تعالى منها.

– دعمه ومساندته للفقراء والأرامل وتقديم العون لهم.

 عمر بن الخطاب: الصحابي الذي كان يحرص على فعل الطاعات والخير وحرصه بنفسه على تقديم الخير والدعم للآخرين ومن مواقفه:

– دعمه ومساندته للفقراء والثكالى والأرامل وتقديم العون لهم.

– توسعته  للمسجد الحرام سنة (17هـ)، عندما أفسد سيل (أم نهشل) مبانيه.

 عثمان بن عفان : عرف قبل إسلامه بالتجارة والثراء، فكان في الإسلام جواداً مبادراً، لم يبخل يوما عن الإسلام وفقرائه بما منحه الله من المال.

– كان خير معين للفقراء والأيتام والأرامل، فلما أحس بندرة الماء العذب، اشترى بئر رومة من صاحبه الذي كان يُبع ماءه بالثمن الذي لم يكن من مقدور الفقراء والمساكين.

 طلحة بن عبيد الله : أحد السابقين الأولين في الإسلام، يلقَّب بالفيَّاض، لكثرة سخائه، قال أبو نُعيم أيضا: عن طلحة بن يحيى، عن سُعدى بنت عوف قالت: كانت غلَّة طلحة كل يوم ألفا وافيا، وكان يسمى طلحة الفيَّاض”.

وقد وصفه السائب بن يزيد بكثرة العطاءه وسخاء الجوده قال: “صحبت طلحة بن عبيد الله في السفر والحضر فلم أخبر أحدا أعم سخاء على الدرهم والثوب والطعام من طلحة”(7).

وهكذا، فإننا اليوم مطالبون أكثر من أي وقت مضى أن نستلهم الدروس والعبر من منهج الرسول  وصحبه والتابعين لهم، تلكم النماذج المضيئة العطرة من المتطوعين الذين؛ عُرفوا في ميادين كثيرة ومتعددة في مجال التطوع، فكانوا بحق قدوة تحتذى ومصابيح يستنار بها على مدى الأيام، قدموا المثال الحسن في غرس قيم حب العمل الاجتماعي في نفوس الناشئة والصبية كي يتشبعوا بها وينشروا في مجتمعاتهم قيم الحب والرفق والإحسان إلى الآخر، ببذل الجهد للتطوع قدر المستطاع في كل ميادين الحياة، ضاربين بسهم في كل مضمار، حتى تتحقق لهذه الأمة نهضتها وتقدمها وفق تعاليم ديننا الحنيف.

ورحم الله أبا الفتح البستي إذ يقول:

أحسن إلى النــاس تستعبد قلوبَهُم

فطالما استعبدَ الإنسانَ إحســـانُ

وكُنْ على الدّهرِ مِعْوَانًــا لذي أملٍ

يرجو نَـــداكَ فــإنّ الـــحُرَّ مِعْــوانُ

واشْدُدْ يديـك بحبــلِ اللهِ معتصمًا

فأنّـــه الرّكنُ إنْ خانتـــك أركــانُ

من كان للخير منّـاعًا فليس لــــــــــه

عـلـى الحقيـــقة إخــوانٌ وأخْـــدانُ

من جاد بالمال مـالَ النّاسُ قاطــبةً

إليــه والـمـالُ للإنســان فـــتّـــانُ

——————–

1 – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، لعبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ) تحقيق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، الطبعة: الأولى 1420هـ -2000 م، مؤسسة الرسالة.:ج1 218/.
2 – الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ – 1964 م: ج10 197/.
3 – أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله  شيئا قط فقال لا وكثرة عطائه:ج4 484/.
4 – المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي (المتوفى: 676هـ)، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392: ج 15 71/.
5 – السيرة النبوية لعبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)، تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، الطبعة: الثانية، 1375هـ – 1955 م: ج 1 133/.
6 – أخرجه الإمام البخاري في صحيحه كتاب الحج باب فضل مكة وبنيانها: ج 1 674/.
7 – الطبقات الكبرى لابن سعد (المتوفى: 230هـ)، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1410 هـ – 1990 م: ج3 167/.

الباحث: الحسين أرضى

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *