إلى أن نلتقي – تلك التهمة الرعناء… »نفاق الصائمين »!!


مرَّ شهر رمضان بأيامه ولياليه، مر سريعا كباقي أيام السنة، ولم تبق منه إلا الذكريات الطيبة..

مر شهر الصيام بنفحاته الإيمانية وأجوائه الروحانية القدسية، فكان فرصة لتطهير الأنفس من الأدران، والسمو بالأرواح إلى الدرجات العليا من الإيمان، والتزوُّد بما يليق من الزاد ليوم المعاد، وإن خير الزاد التقوى، وشهر الصيام هو شهر التقوى بامتياز، فقد بُدئت آيات الصيام في الذِّكر الحكيم بالتقوى وختمت بها، تذكيرا لمن ادَّكر، وتنبيها لمن غفل.

مر شهر الصيام وقد خوطب به وفيه المؤمنون بآيات محدودات، لصيام آيات معدودات، مما يعني أن شهر الصوم فترة ذهبية لطلب الغفران، والتوبة إلى الله والعودة إليه والإنابة إليه عز وجل، وترك كل ما من شأنه أن ينزل بنفس المؤمن إلى تنازع الشخصية، أو ما اصطلح عليه في وسائل الإعلام بالنفاق.

لقد مرت سنوات، وكلما جاء الشهر الفضيل أو مَرَّ، إلا وصدمت الصائمين مقالاتٌ كثيرة في مختلف وسائل الإعلام، تتحدث عن النفاق لدى المسلمين، وعند المغاربة بالخصوص في رمضان، مقالات تتحدث عن أنَّ ما يبدو خلال شهر رمضان من مظاهر الصوم، وقراءة القرآن، وامتلاء المساجد بالمصلين، خاصة في صلاة العشاء والتراويح، حتى الصدقات والزكوات التي يؤديها البعض خلال هذا الشهر الفضيل، وما يرافق ذلك مما يقوم به البعض الآخر من إفطار الصائمين على موائد الرحمن، أو تحضير لقفة رمضان، وما شابه ذلك من أعمال الخير؛ كل ذلك يدخل عند هؤلاء أصحاب المقالات بالنفاق الديني والرياء الاجتماعي.

ولإظهار هذه الحالة بصورة أوضح يتحدث هؤلاء عما يصاحب الشهر الكريم من نشاط اقتصادي يتجلى في المحلات التي تفتح خصيصا في هذا الشهر لبيع الحلويات وغير الحلويات، وما يرافق ذلك من استيراد مواد غذائية لا تكاد تستورد إلا في هذا الشهر، أو يستزاد منها بكميات كبيرة.

والسبب في نعت « الظاهرة » بالنفاق الديني أو الرياء الاجتماعي هو اختفاء هذه المظاهر بعد شهر رمضان؛ لذلك يدعو أكثرهم إلى دراسة الظاهرة دراسة علمية، وإن كان البعض قد استنتج بقياسه العلمي المغلوط أن هذه الظاهرة قد تَوَلَّد عنها ظهور تيار شبابي متنكِّر  للقيم الدينية، ومن ثَم أثبت أن الإلحاد قرار شجاع وهو أصوب من العيش في تناقض ونفاق ورياء، حسب زعمهم.

فهل من الصواب أن نصف « الظاهرة » بالنفاق وننعت أصحابها بالرياء؟ هل شقَّ هؤلاء قلوبَ الناس في هذا الشهر فاطلعوا على مكنوناتها وأسرارها تجاه خالقهم، فتبين لهم أنهم مراءون منافقون؟

هل الإلحاد هو تخلص من النفاق والرياء الذي يعيشه الناس في رمضان؟

لا شيء من هذا الإطلاق؛ فحب المغاربة لدينهم لا يمكن أن يماري فيه أحد، وحبهم للشهر الفضيل هو من هذا الباب، ليس رياء ولا نفاقا ولكن طمعا في مزيد من الثواب والأجر  والمغفرة في شهر القرآن؛ حتى إن من زار المغرب خلال هذا الشهر من إخواننا من الشعوب الإسلامية الأخرى يفاجأ بهذا الفيض من الناس الذين يعمرون المساجد من شيب وشباب، بل وأكثر من ذلك الجو الروحاني للصوم الذي يخيم على مجتمعنا ليلا ونهارا.

صحيح أن النفاق موجود، وهو لا يخلو منه أي مجتمع، لكن المنافق لا يمكن أن يعمر المساجد وبإمكانه أن يجلس في المقهى كما يفعل الكثيرون ممن يشاهدهم الناس وهم في طريقهم إلى صلاة العشاء، ولا أن يصوم في عز الحر وبإمكانه أن يأكل خفية، كما يفعل العديد ممن يُعرَفون بذلك بسيماهم في النهار والليل على حد سواء.

صحيح أنه بعد مرور أيام الشهر الفضيل يحدث تكاسل وتراخ، وتبدو مظاهر الفتور في إعمار بيوت الله، وتختفي مظاهر التعبد اليومية التي كانت في رمضان، لكن حينما يأتي يوم الجمعة يتذكر الناس رحمة الله الواسعة، فيسعون إلى ذكر الله آملين توبة الله عليهم، فتعمر المساجد من جديد. مما يعني أن جذوة الإيمان لا تنطفئ في النفوس مهما تغيرت الأيام وتعاقبت.

تلك الجذوة التي ينبغي على المؤمن أن يتعهدها حتى تبقى متَّقدة، وعلى العلماء والدعاة والخطباء أن يولوا هذا الأمر عنايتهم الكبرى. وإنَّ خُفوت صوت الدعاة الصادقين، وعدم انتباه العلماء النابهين، لمعالجة مثل هذه القضايا، يعمِّق جرح الابتعاد عن الدين، ويشوه صورة التديُّن لدى عامة الناس، ولدى الشباب بالخصوص، هؤلاء الشباب الذين يشهدون أوبة إلى الله وعودة إليه، وينتظرون من يأخذ بأيديهم ويهديهم سواء السبيل، دون إفراط أو تفريط، خاصة في زماننا هذا الذي كثر فيه الناعقون من هذا الطرف أو ذاك.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

 

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *