إعجاز التشريعات الإسلامية في بناء المجتمع المثالي (6\10) رعاية اللقطاء والمنبوذين: تشريعات وأحكام


بينا في المقال السابق فلسفة الإسلام وحكمته الربانية البالغة في رعاية هذه الفئة الضعيفة، ثم كيف أسهم المسلمون عبر التاريخ ومن خلال فقههم لأحكام دينهم، وسعيهم العملي من خلال الأوقاف الإسلامية في رعاية هؤلاء، وفي هذا المقال نذكر طرفا من التشريعات العملية والأحكام الفقهية المتعلقة بهذه الفئة لنرى عظمة الإسلام وإعجازه التشريعي في بناء المجتمع وحمايته من الداخل.

– وجوب التقاط اللقيط والقيام عليه بما يصلحه:

اتفق الفقهاء بلا خلاف بينهم على وجوب التقاط اللقيط، واعتبروا ذلك في الفروض الكفائية التي لا تتحقق إلا بالقيام بها بحيث يأثم من علموا به وهم قادرون على القيام بها ثم لم يفعلوا، وقالوا بتعين الفرضية على من علموا،  بل إن الإمام ابن حزم يري أن التفريط في هذا الواجب يعد من باب قتل النفس، قال رحمه الله: « مسألة: إن وجد صغير منبوذ ففرض على من بحضرته أن يقوم به ولا بد، لقول الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان (المائدة: 2). ولقول الله تعالى: ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا (المائدة: 32). ولا إثم أعظم من إثم من أضاع نسمة مولودة على الإسلام -صغيرة لا ذنب لها- حتى تموت جوعا وبردا أو تأكله الكلاب هو قاتل نفس عمدا بلا شك. وقد صح عن رسول الله : «من لا يرحم الناس لا يرحمه الله». (المحلى الآثار: 7/132).

– لا تسري أحكام الخطيئة إلى اللقيط من أبويه:

لا ينبغي أن ينظر إلى « أبناء الزنا » من اللقطاء نظرة انتقاص بتحميلهم شيئا من أوزار آبائهم، فالقاعدة في الشرع أن « كل نفس بما كسبت رهينه » وأنه « لا تزر وازرة وزر أخرى »، وبهذه النصوص استدلت عائشة رضي الله عنها قائلة: « ليس عليه من وزر أبويه شيء. وقد قال تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى (الأنعام: 164). وقد ورد النص مرفوعا في الدر المنثور للسيوطي وأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ عَن عَائِشَة رضي الله عنها قَالَت: قَالَ رَسُول الله لَيْسَ على ولد الزِّنَا من وزر أَبَوَيْهِ شَيْء لَا تزر وَازِرَة وزر أُخْرَى ».

وفي المعنى لابن قدامة: (فإنه لا يجوز أن يلزم ولده من وزره أكثر مما لزمه ولا يتعدى الحكم إلى غيره من غير أن يثبت فيه مع أن ولده لا يلزمه شيء من ضرره، لقول الله تعالى: ولا تزر وازرة وزر أخرى وولد الزنا لم يفعل شيئاً يستوجب به حكماً).

– وجوب الرحمة بالضعفاء:

إذا كان اليتيم يرحم لضعفه وفقدان أبيه، فإن اللقيط أشد ضعفا وبؤسا حيث إن علة الضعف فيه أبين وأجلى، إذ إنه فاقد ليس للأب وحده بل للأم كذلك، مع عدم معرفة أي قرابات له بحكم حالته، وهذا يستوجب مزيد رحمة وعناية ورفق من المجتمع الإسلامي بدءا من التقاطه وانتهاء بإطلاقه بالغا عاقلا رشيدا يقوم على أمر نفسه بكل أهلية وجدارة، بحيث لا نسلمه لحظة ضعفه إلى منحرف أو ضال أو ظالم، وعموم آيات وأحاديث الرحمة بالضعفاء ورعاية الأيتام وحفظ الأنفس والأعراض تشمل هذا النوع بلا خلاف.

– وجوب النفقة عليه من بيت المال ما لم يكن له مال:

اتفق العلماء على أن النفقة على اللقيط المنبوذ تكون من بيت المال ما لم يوجد معه مال، ولو فرضنا أنه لم يوجد معه مال وانعدم المال من بيت مال المسلمين فلم نجد ما ينفق منه عليه، وجب على المسلمين القيام بالنفقة عليه وجوبا كفائيا، ويأثمون بالتفريط في ذلك؛ لأنه يفضي باللقيط إلا الهلاك.

– ارتباطه بالمجتمع برابطتين كبيرتين: رابطة الإسلام، ورابطة الإخاء الإنساني:

حرم الله تعالى تبني اللقيط لكنه لم يقطع رابطة الأخوة بينه وبين المسلمين، فقال تعالى: ٱدعُوهُم لِآبَائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ ٱللَّهِ فَإِن لَّم تَعلَمُواْ ءَابَاءَهُم فَإِخوَٰنُكُم فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُم﴾ (الأحزاب: 5).

فنرى اللقيط يرتبط في ديار الإسلام -ما لم نتيقن نسبته إلى ذمي- برباطين عظيمين يوجبان حمايته ورعايته؛ رابط الإسلام وما يرتبه هذا الرابط من حقوق للمسلم على أخيه في العقيدة من حيث المحبة والنصح، وتحريم ظلمه وإيجاب نصرته والدفاع عنه…إلخ، ورابط الإخوة الإنسانية وما يرتبه كذلك من حقوق، وهذه الروابط تجعل مثل هذا النوع من البشر يعيش في حضانة إخوانه من أبناء المجتمع الإسلامي، لينشأ سوي النفس، وإلا تحول إلى عامل هدم وتدمير في مجتمع لم يحتضنه ولا يقدم له خيرا. وقد جاء في مواهب الجليل: « َقَالَ عُمَرُ أَكْرِمُوا وَلَدَ الزِّنَا وَأَحْسِنُوا إلَيْهِ. وَقَالَ أَيْضًا أَعْتِقُوا أَوْلَادَ الزِّنَا وَأَحْسِنُوا إلَيْهِمْ وَاسْتَوْصُوا بِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَهُوَ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِ اللَّهِ إنْ أَحْسَنَ جُوزِيَ وَإِنْ أَسَاءَ عُوقِبَ ».وفي موضع آخر قال: وَقَالَ عُمَرُ: أَعْتِقُوا أَوْلَادَ الزِّنَا، وَأَحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وَاسْتَوْصُوا بِهِمْ اهـ.

– أحكام أخرى تتعلق بأبناء الزنا أو المنبوذين:

1 – ففي إمامته للصلاة جوز جماهير العلماء إمامة ابن الزنا، جاء في مسائل الإمام أحمد هذه الرواية: « قلت لأحمد: العبد  يؤم الحر وولد الزنا؟ قال: نعم، قلت: وولد الزنا؟ قال: وولد الزنا، قال إسحاق: وأما إمامة ولد الزنا، والأقلف، والمخنث، فإن أموا فإمامتهم جائزة. وولد الزنا أحسنهم حالاً في الإمامة إذا كان عدلاً قارئاً.

وفي المغني لابن قدامة: فصل إمامة ولد الزنا. فصل: ولا تكره إمامة ولد الزنا إذا سلم دينه.

وقد بحثت في علة قول مالك  بكراهة إمامته فوجدت أنها كون هذا الصنف ربما لا يجد من يعلمه ويثقفه فيجهل بذلك كثيرا من أحكام الصلاة، فيكون غيره أولى منه بالإمامة، وليس الأمر متعلقا بكونه لقيطا.

2 – شهادة ولد الزنا: وتقبل شهادته. قال في الشرح الكبير: « وشهادة ولد الزنا جائزة في الزنا وغيره، هذا قول أكثر أهل العلم ». وفي حاشية بن عابدين: قَالَ فِي الْمِنَحِ: وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَا لِأَنَّ فِسْقَ الْأَبَوَيْنِ لَا يُوجِبُ فِسْقَ الْوَلَدِ كَكُفْرِهِمَا، وَقَالَ عُمَرُ: أَعْتِقُوا أَوْلَادَ الزِّنَا، وَأَحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وَاسْتَوْصُوا بِهِمْ اهـ. وَانْظُرْ حَاشِيَتِي عَلَى مَنَاسِكِ الشَّيْخِ خَلِيلٍ عِنْدَ قَوْلِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُجَّ بِثَمَنِ وَلَدِ الزِّنَا.

3 – إعطاؤهم من الزكاة: يجب إعطاؤهم متى احتاجوا إلى ذلك العطاء، قال في مغني المحتاج عند الحديث عن مصارف الزكاة بعد أن بين أنهم لا يشملهم حقيقة اسم اليتيم: « وَلَكِنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنْ سَهْمِ الْيَتَامَى ». وهذا الشمول من حيث المعنى وهو فقدان العائل.  تعرض الفقهاء كذلك لزكاة الفطر فقالوا: « وفطرة ولد الزنا على أمه ».

4 – حرمة استرقاقه، ولذا أوجب البعض كالشافعية والمالكية الإشهاد على التقاطه خوفا من الاسترقاق، وقد صرح ابن حزم بحرمة الاسترقاق مطلقا، وهذا هو الراجح بل هو الذي لا يصح غيره.

د. أحمد زايد

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *