نظرات أصولية في آيات وأحاديث أحكام فقهية (2)


عندما تتناول آية أو حديثا بالدراسة، تبحث في كلام الأولين لعلك تجد نصوصا نفيسة تبرز طريقتهم في شرح النصوص ومنهجهم في إعمال القواعد الأصولية، والمعارف المختلفة، لتبيان مراد الشارع، وتشعر بمتعة خاصة؛ وأنت تجول بين رياض الأفكار المنتجة للمعرفة الفقهية التي عليها مدار التكليف في هذه الدنيا، فأنت ههنا لا تسعى لحفظ وضبط مسائل الفقه فقط، ولكنك تجهد للحصول على منهج وصنعة الفقه، وهنا مربض الفرس، وصلب العلم حقا. إن البحث في النص التراثي عن تلك المعارف المنهجية يشبه البحث عن الذهب اليسير في التراب الكثير، عمل يستحق ما يبذل بشأنه من عمل، وهنا جولة أصولية مع كلمة قرآنية أخرى في آيات الصيام.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (البقرة: 183-184).

البيان:

الأيام المعدودات الواردة في القرآن الكريم في آية الصيام هي التي “تعد مبالغها وساعات أوقاتها، ويعني بقوله: معدودات: محصيات”(1). والمعدودات هي المعينات بعدد معلوم، وقد اختلفت أنظار المفسرين في المقصود بها، فالطبري (ت310هـ) يرجح دلالة الأيام المعدودات على شهر رمضان بناء على السياق، بقوله: “وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم من أهل الكتاب، أياما معدودات، وهي شهر رمضان كله”(2). ومستدلا -أيضا- بعدم وجود أدلة ثابتة من الأخبار والأحاديث تدل على وجود صيام مفروض على المسلمين غير شهر رمضان، وبذلك رد دعوى النسخ. وابن العربي (543هـ) يقطع بدلالة “الأيام المعدودات” على شهر رمضان أيضا، وليس يوم عاشوراء، ورد على من قال بأنه صوم ثلاثة أيام من كل شهر بأنه قول بعيد عن الصواب لأنه حديث لا أصل له في الصحة(3). أما ابن الفرس(ت597ه) فذكر الأقوال الواردة في بيان دلالة الكلمة بقوله: “قوله تعالى (أياما معدودات) قيل: ثلاثة أيام، وقيل: رمضان، وقيل الأيام البيض، وقد روى معاذ أن ذلك كان واجبا ثم نسخ”(4). وجاء القرطبي (ت671هـ) بنقل عن ابن عباس يفيد أن الأيام المعدودات، كانت مشروعة للأمة قبل شرع شهر رمضان، وهي ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، كما كان الأمر عند اليهود، فقال في الجامع لأحكام القرآن: “(كتب عليكم الصيام) أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء، (كما كتب على الذين من قبلكم) وهم اليهود -في قول ابن عباس- ثلاثة أيام ويوم عاشوراء. ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان”(5). وجزم بعد ذلك القرطبي بأن الأيام المعدودات يقصد بها شهر رمضان مخالفا رواية معاذ وموافقا مذهب الطبري وابن العربي. وبالجملة فمن فسر الأيام المعدودات بغير رمضان كثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء جعل ما بعدها من تعيين الشهر ناسخا لها، ومن فسرها برمضان، جعل ما بعدها من النص على الشهر بيانا لإجمال الأيام المعدودات؛ وإلى هذا المنحى الأصولي الأخير، صار ابن العربي والقرطبي وبذلك تعتبر عبارة (الأيام المعدودات) خطابا مجملا، يفتقر لبيان الشارع وهو بيان المجمل والمجمل هو المبهم وهو الذي دل على معناه دلالة غير واضحة وهو –أيضا-ما خفيت دلالته على معناه لذاته، ولا سبيل إلى إزالة خفائه إلا ببيان ممن صدر منه. وتطبيقه قول الشَّافِعِي(ت204هـ) في باب البيان الأول في قول الله تبارك وتعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون الآية. “فافترض -الله- عليهم الصوم، ثم بين أنه شهر، والشهر عندهم ما بين الهلالين، وقد يكون ثلاثين وتسعا وعشرين”(6). فالشافعي يحدد وظيفة البيان في الخطاب القرآني لما أجمل مثل الأيام المعدودات التي بينتها آية شهر رمضان، من خلال السياق القرآني كما قال الطبري: “وأن الله تعالى قد بين في سياق الآية أن الصيام الذي أوجبه جل ثناؤه علينا هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات بإبانته، عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومها بقوله شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن”(7). وذكر ابن العربي أن قوله سبحانه (شهر رمضان) هو تفسير لقوله تعالى: كتب عليكم الصيام(8). وهذا من بيان التفسير الذي يعني في اللغة؛ بيان الإيضاح والإظهار، ويدل اصطلاحا على بيان ما فيه خفاء كالمشترك والمجمل والمشكل والخفي. فالتفسير عند الأصوليين: بيان المراد من اللفظ بدليل قطعي.كبيان كيفية الصلاة والزكاة المأمور بهما في القرآن بالأحاديث المتواترة. أو “بيان معاني الألفاظ ودلالاتها على الأحكام للعمل بالنص على وضع يفهم من النص”(9). ومن هذا القبيل قول ابن الفرس: “قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(البقرة: 183) اختلف في قوله: “كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ” هل هذا من المجمل أو من العام؟ فذهب بعضهم إلى أنه مجمل لكن السنة بينته. وذهب بعضهم إلى أنه عام لأن الصوم الإمساك، لكن الشرع قد خصصه بإمساك مخصوص، عن أشياء مخصوصة في أوقات مخصوصة على وجه مخصوص. ورجح كل فريق مذهبه”(10).

والله المستعان

د. محمد الحفظاوي

————————–

1 – جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري:2/893.

2 – جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري:2/891.

3 – أحكام القرآن لابن العربي:1/110.

4 – أحكام القرآن لابن الفرس:1/185.

5 – الجامع لأحكام القرآن للقرطبي:2/275

6 – الرسالة للشافعي:110.

7 – جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري:2/893.

8 – المسالك في شرح موطأ مالك لابن العربي:4/150.

9 – تفسير النصوص لمحمد أديب صالح:1/59.

10 – أحكام القرآن:1/182.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *