مع سنة رسول الله – «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»


حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن  أبي هريرة  أن رسول الله  قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» قال  ابن شهاب فتوفي رسول الله  والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك في خلافة  أبي بكر وصدرا من خلافة  “عمر رضي الله عنهما” (صحيح البخاري).

توطئة للحديث:

الحمد لله والصلاة على رسوله الكريم، وبعد:

جاء الحديث عند البخاري بهذا اللفظ وبالأفاظ التالية:

أ – من صام رمضان إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.

حدثنا بن سلام قال أخبرنا محمد بن فضيل قال حدثنا يحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله : «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (صحيح البخاري ).

ب – من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. 

حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام حدثنا يحيى عن أبي سلمة عن أبي هريرة  عن النبي  قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (صحيح البخاري).

وكلها أحاديث صحيحة، وإن اختلفت ألفاظها، فمدارها على استثمار زمن الشهر استثمارا جيدا لمكانته: فصيام نهار الشهر واستثمار ليله في العبادة والحرص على ادراك ليلة القدر في العشر الأواخر منه، كلها أعمال تتكامل فيما بينها لتحقيق أكبر قدر من الأجر في رمضان وهو الشهر الذي عرف بشهر القرآن، وأهم تجل للقرآن الكريم: هو القيام.

ففي الحديث دعوة لقيام رمضان، وروح القيام: القرآن الكريم، والقيام معناه: صلاة التراويح، وقد اختص رمضان بهذه الصلاة بخلاف باقي الشهور التي يمكن أن يقام ليلها ولكن ليس بدرجة ومكانة القيام في هذا الشهر الكريم. وفي رمضان ليلة خير من ألف شهر، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، والخيرية المقصودة في الآية: خيرية الأجر بالمقارنة مع باقي أيام الشهور السنة. فألف شهر تعادل 84 سنة. وفي حديث: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» (رواه الترمذي).

وقد اشترط الحديث في قيام رمضان شرطين: الإيمان والاحتساب حتى يتحقق شرط المغفرة لما تقدم من الذنوب. فلماذا هذا الاقتران بين الإيمان والاحتساب؟ وما المقصود بالمغفرة، وهل تكون للذنوب جميعها أم بعضها؟ ثم ما عدد ركعات القيام المتواثرة عن رسول الله، ؟ وما هي فضائل القيام في رمضان؟

هذا ما سنحاول التعرف عليه من خلال شرح الحديث، ولكن بعد التعرف على معاني بعض الألفاظ.

شرح الحديث:

فقول الرسول : «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ».

قيام رمضان معناه إحياء ليله بالصلاة، والصيغة للعموم، فكل من صلى ركعات بعد صلاة العشاء إلى الفجر يدخل في هذا الحكم.

والقيام له مقدمات وشروط مطلوب توفرها: من إسباغ للضوء، ولبس لأجمل الثياب، وتطيب، وسبق للمسجد واشتغال بالذكر،… إلى غيرها من الأعمال التي تساعد على تحقيق الخشوع في الصلاة.

وركعات القيام إحدى عشرة ركعة اتباعاً لرسول الله ، فإنه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن صلاته في رمضان؟ فقالت: “ما كان رسول الله يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاُ فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً” «أخرجه الشيخان وغيرهما».

وقد سئلت عائشة رضي الله عنها: بكم كان رسول الله  يوتر؟ قالت: “كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة” (رواه أبو داود وأحمد وغيرهما).

فهذه ركعات قيامه  كما ترويها زوجه، أهم ما كان يميزها حسنهن وطولهن، ولا يتحقق الحسن إلا بالإحسان فيهن، وهو المعنى المقصود بالقيام، وهو أول مدخل لتحقيق المغفرة لما تقدم من الذنوب.

وفي السنن بسند صحيح عن أبي ذرٍّ  عن النبي  أنه قال: «مَن قام مع الإ‌مام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة».

مشروعية الجماعة في رمضان:

وتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد، لإقامة النبي  لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله، كما في حديث أبي ذر  قال: “صمنا مع رسول الله  رمضان، فلم يقم بنا شيئاً من الشهر حتى بقي سبع فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله! لو نفّلتنا قيام هذه الليلة، فقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة» فلما كانت الرابعة لم يقم، فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: «السحور»، ثم لم يقم بنا بقية الشهر” (حديث صحيح، أخرجه أصحاب السنن).

والسبب في عدم استمرار النبي  بالجماعة: خشية أن تُفرض عليهم صلاة الليل في رمضان، فيعجزوا عنها، وقد زالت هذه الخشية بوفاته  بعد أن أكمل الله الدين، وبذلك زال المعلول، وهو ترك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر  كما في صحيح البخاري وغيره.

وقوله : «إيمانا واحتسابا»:

إيمانًا: يعني تصديقًا بوعد الله  الذي أخبر بها القائمين والصائمين، واحتسابا: يعني طلبًا للأجر، لأنه قام مصدقًا بوعد الله  محتسبًا الثواب منه سبحانه وتعالى، لا يقوم رياء ولا سمعة ولا لأي أمر من أمور الدنيا، بل هو لله.

قال الإمام النووي: معنى إيمانًا: تصديقًا بأنه حق مقتصد فضيلته، ومعنى احتسابًا: أنه يريد الله تعالى؛‌ لا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يُخالف الإخلا‌ص.

فلا يتحقق شرط الحُسن المطلوب في القيام إلا بتحقق: شرطي الإيمان والاحتساب، فهما أساسيان في القيام، قال تعالى: إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا(الكهف: 30). ويقول تعالى: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة(يونس: 26).

فما السر في هاتين الكلمتين اللتين جعلهما النبي  شرطا ضروريا وحتميا لقبول الطاعات ومغفرة ما تقدم من ذنوب العباد في شهر الصيام؟

هناك علاقة وطيدة بين الإيمان واحتساب الأجر من الله تعالى، فلا يتصور أن يتحقق احتساب الأجر كما في الحديث (كتب له أجر ليلة كاملة) بدون مستوى معين من الإيمان -والإيمان درجات، وهو يزيد وينقص بالطاعات- والترتيب في الحديث منطقي، فأي خلل أو نقص يصيب الإيمان له انعكاس واضح على الاحتساب. قال تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين(الزمر: 65).

وقال سبحانه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(النحل: 97).

وقوله، : «غفر له ما تقدم من ذنبه«:

هذا هو جواب الشرط، فمن قام رمضان على الوجه المطلوب شرعًا -مؤمنًا بالله وبما فرَضه الله عليه، ومنه عبادة القيام، ومحتسبًا للثواب والأ‌جر من الله- فإن المرجو من الله أن يغفر له ما تقدَّم من ذنوبه.

وهذا شامل لجميع الذنوب، وجاء بلفظ آخر عند الإمام أحمد وغيره بزيادة: وما تأخر

وعند الجمهور في قوله: غُفر له ما تقدم من ذنبه محمول على الصغائر. وحكى ابن عبد البر في كتابه: “التمهيد” إجماعَ المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث، منها ما جاء في الصحيحين، مثل قوله : «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مُكفرات لما بينهنَّ ما اجتنبت الكبائر».

وتحصيل مغفرة الذنوب يكون بالإكثار من الأعمال الصالحة في هذا الشهر وفي مقدمتها القيام الذي يجمع بين الصلاة والقرآن الكريم، وقد وردت أحاديث كثيرة تحث على هذا الأمر، نذكر منها:

في السنن بسند صحيح عن أبي ذرٍّ  عن النبي  أنه قال: «مَن قام مع الإ‌مام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلة».

وعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله، : «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» (صححه الألباني في صحيح أبي داوود).

وأقل مراتب الصلاة قراءة الفاتحة، وهي سبع آيات وثلاث آيات فتلك عشرة لا يكتب معها العبد من الغافلين.

قال : «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).

وقال : «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).

وقال : «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (متفق عليه).

وقال أيضا: «من أكل طعاما فقال الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه الترمذي وابن ماجه).

وقال : «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» (متفق عليه).

وقال : «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» (رواه مسلم).

لكن المراد في هذه الأحاديث تكفير الصغائر لا الكبائر، فالكبائر لا يكفرها إلا التوبة. قال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ(التحريم: 8).

وقد اعتنى العلماء في كتبهم بمعرفة الأعمال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة ومن هؤلاء: الإمام الحافظ بن حجر في كتابه: “معرفة الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة”.

بعض المستفادات من الحديث:

أ – شهر رمضان منة ربانية لمن فاته خير في السنة، فعَنْ  “معلومات الرواة” أَبِي هُرَيْرَة  أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِر» (رواه مسلم).

وقال : «…قال لي جبريل: رغم أنف عبد دخل عليه رمضان فلم يغفر له فقلت: آمين..» (حسنه الألباني).

ب – فضل القيام في رمضان على باقي الشهور في تحصيل الأجر الموجب للمغفرة.

ج – في الحديث دعوة للحرص على قيام ليل رمضان ففيه ليلة خير من ألف شهر، قد لا يعيشها المسلم.

د – يستفاد من الدعوة للقيام في رمضان، الاعتناء بالقرآن قراءة وتدبرا فروح القيام: القرآن الكريم.

ذ. محمد بوزين

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *