مع كتاب الله – “فلينظر الانسان إلى طعامه”


الإنسان مطالبٌ ومأمورٌ بالنظر والتدبر والتفكر في خلق الله وفي بديع وعجائب صنعه، وقد جاء الأمر بذلك في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها:

– قوله جل وعلا: أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ووزيناها وما لها من فروج والارض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج…(ق: 6-7).

– وقوله سبحانه: وفي الارض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون (الذاريات: 20-21).

– وقوله: أفلا ينظرون إلى الابل كيف خُلقت وإلى السماء كيف رُفعت وإلى الجبال كيف نُصبت وإلى الارض كيف سُطحت (الغاشية: 17-20).

ومما أُمر الإنسان بالنظر والتفكر فيه: شيء يستعمله يوميا ولا يمكن أن يستغني عنه أبدا، ويعد هذا الشيء آية من الآيات الدالة على عظيم قدرة الله، ومظهر من مظاهر كرمه وإنعامه وإحسانه…

لكن الإنسان لغفلته قد لا يلقي له بالا، ولا ينظر إليه نظر تفكر وتأمل، ولا يقدر قيمته حق التقدير، ولا يشكر خالقه وواهبه حق الشكر.. فما هو يا تُرى هذا الشيء؟

إنه الطعام !!.

فهل نحن نفكر في هذا الطعام الذي نأكله يوميا؟ هل نتأمل في عجيب صنعه؟

أصناف وأنواع وأشكال وألوان من الطعام خلقها لنا الخالق سبحانه وسخرها لنا وأنعم بها علينا… نأكلها ونُذهب بها جوعنا ونحفظ بها حياتنا ونتلذذ ونستمتع بها… فهل نظرنا إليها يوما؟ هل تفكرنا فيها وفي بديع صنعها؟

– قال الباري جل وعلا: فلينظر الانسان إلى طعامه (عبس: 24).

النظر إلى الطعام والتفكر فيه يكون من أوجه متعددة منها:

أ – النظر والتفكر في كيفية إيجاده وإيصاله إلينا من غير حول منا ولا قوة: فمن يشق عنه التراب ويخرجه من الأرض؟ من يجعل من حبة القمح والشعير الواحدة –مثلا- عددا من السنابل ويجعل في كل سنبلة حبات عديدة؟ من

يحفظ البذور في التراب ثم ينبتها ويخرجها وينميها ويجعل من كل بذرة طعاما نطعمه؟

– قال الحق سبحانه: أفرايتم ما تحرثون آنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمُغرمون بل نحن محرومون (الواقعة: 63-67).

– قال ابن كثير رحمه الله: “أي: نحن أنبتناه بلطفنا ورحمتنا وأبقيناه لكم رحمة بكم، بل (لو نشاء لجعلناه حطاما) أي: لأيبسناه قبل استوائه واستحصاده (فظلتم تفكهون)… قال مجاهد: تفجعون وتحزنون على ما فاتكم من زرعكم…” (تفسير القرآن العظيم: 7/356).

– وقال جل وعلا: فلينظر الانسان إلى طعامه إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الارض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غُلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم (عبس: 24 – 32).

– أي أخرج لنا الخالق جل جلاله من الأرض أصناف الأطعمة: من كل أنواع الحبوب والعنب والزيتون والتمور والقضب، وهذا الأخير” هو كل ما يؤكل رطبا غضا من الخضر التي تقطع مرة بعد أخرى” (في ظلال القرآن: 6/3833)، وحدائق وبساتين فيها مختلف الأشجار الغلاظ الطوال، وما يتفكه به الإنسان من أنواع الفاكهة من تين وعنب وخوخ ورمان، وأبَا وهو ما تأكله البهائم والأنعام..

– قال سيد قطب رحمه الله: “هذه هي قصة طعامه. مفصلة مرحلة مرحلة. هذه هي، فلينظر إليها؛ فهل له من يد فيها؟هل له من تدبير لأمرها؟… (فلينظر الإنسان إلى طعامه).. ألصقُ شيء به وأقرب شيء إليه وألزم شيء إليه.. لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر. لينظر إلى قصته العجيبة اليسيرة، فإن يُسْرها ينسيه ما فيها من العجب. وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته. وكل خطوة من خطواتها بيد القدرة التي أبدعته..” (في ظلال القرآن: 6/3832).

ب – النظر والتفكر إلى تلك الأطعمة في ذاتها وما تحتويها من عناصر كثيرة ومتنوعة غذائية ودوائية: عناصر مغذية ومقوية تغذي البدن وتنميه وتقويه وعناصر دوائية تدفع عن البدن الأمراض والأسقام.. فإن الطعام الذي خلقه الخالق جل جلاله جعله غذاء ودواء، على خلاف ما يصنعه الإنسان من أنواع الأطعمة فإن منها ما يسبب له أسقاما وأمراضا خطيرة…

ج – النظر والتفكر في أشكالها وأصنافها وألوانها الجميلة البهية التي تسر الناظرين وتفتح شهيتهم لتناولها... فلو كان الطعام شكلا واحدا ولونا واحدا وصنفا واحدا فلربما ملته نفس الإنسان كما كان شأن بني إسرائيل في زمن موسى ، فقد رزقهم الله تعالى المن والسلوى وهما من أجود الطعام، لكنهم طلبوا أشكالا وألوانا وأصنافا أخرى، كما أخبر عنهم جل وعلا: وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنب الارض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضُربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (البقرة: 61).

فهل نظرنا وتفكرنا في هذه الأصناف والألوان من الأطعمة التي خلقها الله تعالى لنا؟ وهل تفكرنا: كيف جعلها الخالق أصنافا وألوانا وأشكالا متنوعة مع كونها كلها تخرج من التراب وتُسقى من ماء واحد، فكيف تتعدد وتتنوع أشكالها وألوانها، والماء الذي تسقى بها وتنبت بها وتنموا بها واحد؟ كيف يحصل هذا؟! هل تفكرنا؟ سبحان الخالق الجليل.!!

– قال سبحانه: وفي الارض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تُسقى بماء واحد ونُفضل بعضها على بعض في الأكْل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (الرعد: 4).

– “الصنوان هو الأصول المجتمعة في منبت واحد كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك. وغير الصنوان: ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار “(تفسير القرآن العظيم: 4/249).

– قال ابن كثير رحمه الله: “أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة وهذا في غاية الحموضة وذا في غاية المرارة وذا عفص وهذا عذب وهذا جمع هذا وهذا، ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى وهذا أصفر وهذا أحمر وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق، وكذلك الزهورات، مع أنها كلها تُستمد من طبيعة واحدة وهو الماء مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن كان واعيا وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد، ولهذا قال تعالى: إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون”. (تفسير القرآن العظيم: 4/249).

وبالإضافة إلى أصناف الطعام الذي يخرجه ربنا من الأرض، فإن هناك أنوعا أخرى من الطعام أودعها في البحار من مختلف أشكال وأصناف الأسماك، قال الخالق سبحانه: وهو الذي سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها (الرعد: 14).

وأصنافا أخرى أخرجها من بطون بعض الحيوانات والحشرات، كاللبن الذي يخرجه من بطون الأنعام من بين فرث ودم، وكالعسل الذي يخرجه من بطون النحل.

– قال الخالق سبحانه: وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (النحل: 66).

– أي: “يتخلص اللبن بياضه وطعمه حلاوته (من بين فرث ودم) في باطن الحيوان فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته، فيُصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع، وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها

لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به”. (تفسير القرآن العظيم: 4/331). فهل تفكرنا في هذا؟!… سبحان الخالق القادر..!!

– وقال: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (النحل: 68-69). فهل تفكرنا؟!…

ذ. عبد القادر دغوتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *