رمضانو-فوبيا.. فخ الجهلة!


ليس رمضان هذا الذي ننتظره اليوم وغدا! فقد عصف به فعل فاعل وحاصره منتج خطير للهلع والخوف من قدومه، حيث أصبحت تمارس ضغوطات وتدق نواقيس، وتستفز كل مشاعر الخوف والرعب، وكأن القادم بعبع سيبتلع كل حواسنا، وسيجعلنا نعيش وضعا آخر، وأننا سننخرط في متاهات من الوهن.

فخ هذا الذي سقط فيه الكثيرون، الذين أصبحوا يهللون لثقافة الكسل، والركون، والهوى، فنزداد عجزا وهوانا وتهاونا.

ألا يكفينا أننا الأمة العاجزة المنكبة المتأخرة التي تآكل وقتها، جهدها، حاضرها المليء بالخيبات!

ألا يكفينا أننا أمة مقودة، مسيرة سبقتنا أكفر المجتمعات قوة وتقدما وثروة ومعرفة.

متى كانت عقولنا مستيقظة، منتجة لطاقات غنية، ومشروعات مثمرة لنخشى رمضان؟

متى كانت مواردنا سخية، مبتكرة ومنخرطة في تفاعلات العالم.. لنخشى رمضان؟

ومتى كان رمضان تاريخيا وواقعيا علامة تراخ، وتراجع واستكانة؟

راودني كل هذا وأنا أرى وأسمع وألاحظ الكثير من الناس يرتبون أدوارهم، مهامهم، أوقاتهم على وقع اقتراب شهر رمضان.

تهويل وتسارع وسرعة وفزع وأحيانا قلق، وممارسات لطقوس الاستعجال السلبي بما يخلخل سلم القيم ويضعنا أمام ترتيب أولويات في غير محلها.

كم تمنيت وأنا أرقب هذا الارتباك لو نقرأ تاريخنا بصدق وشفافية ووعي آخر!

فخ كبير وقعنا فيه اليوم، وأعتقد جازمة أن الإعلام قد زاد من توهم الناس، وهول الأمور لحد أن أصبح يبث برامج هي في عمقها تقود الفرد نحو الركون، وترسل رسائل تهون عليه من وقع الصيام، وهي في واقع الأمر تلهيه عن التعمق في المغزى والمعنى وروح الشهر وقدسيته، والأدهى أننا تصورنا الحاصل واقعا فتعودنا عليه ليصبح واقعا فعلا.

اليوم نقف موقف المساءلة والجدل، ونقف أيضا عند عتبة الرفض والرد على ما آل إليه وضعنا ما دمنا نتراجع للوراء وبشكل أسوأ، فحتى رمضان الذي كنا نسترجع فيه أنفسنا إنقاذا وتأسيسا أصبح مآلا لممارسات أصبحت تصدر الردة والتراجع عن قيم روحية أصبحنا نشتاق لها، بعدما أصبح هذا الشهر في عمومه ولدى الكثيرين من أبناء أمتي يتجلى ضمن بعدين لا ثالث لهما، أو لنقل على الأقل هذا ما أصبح يروج له الإعلام العربي في عمومه:

البعد (الرهابي) بعدما أصبحت أجيال اليوم ترى في رمضان فزاعة وفسحة للكسل والتراخي لتنتظره مستجمعة كل قواها للانتهاء من أي عمل أو تطلع أو اجتهاد.

والبعد الترفيهي الذي أسس له الإعلام العربي عندنا في غالبه، وذلك بتحرير النفوس من منافذ الطاعة ودلالات الانسجام الروحي والتعبدي.

وأعتقد جازمة أن الهدف من كل هذا هو إنتاج مجتمع عقيم متحجر ومنسلخ عن هويته وبعيد عن أي تغيير، فنحن لا نرفض أي بعد ترفيهي لأن هذا مطلب إنساني وإذا ما كان يتماشى وحرمة الشهر، لكن الرفض يكمن للتماهي فيه وانتهاكه.

ويبقى أن نقول أن غاية القول من وراء كل هذا أننا بحاجة لتأمين معتقداتنا من هول التمييع المسلط فديننا وعمقه آخذ في التعولم والتفسخ وهو اليوم على المحك، ولابد من فتح مجالات للعودة والفهم الصحيح الواعي الذي يتماشى وروح العصر والزمان، حتى لا نبلغ نهايات أخرى.

فاليوم أكثر من أي وقت مضى أتمنى أن نخرج من دائرة الأفكار المغلوطة، وروايات الخيبة والتراجع والسلبية، فرمضان الذي كان رمزاً للعطاء والعمل والتفاني والإنتاج والنجاح والتحدي…

ورمضان الذي كان لا يفكر فيه تفكير الحتمية والهروب، كان عفويا، بسيطا يستظل بتبريكاته.

رمضان الذي كنا ننتظر برامج التلفاز لنستزيد إيمانا وتقوى وفهما

وروحانية، وفتحا إيمانيا عميقا.

فما بال قيم الناس تحولت،

تغيرت، انتهكت فيها مشاعر كثيرة

حد الزعزعة؟

لماذا مقدساتنا تنخر من حيث ندري أو من حيث لا ندري. حتى  أصبح رمضان ملاذا لكل صاحب هوى فيكون عنوانه مسلسلا أو دراما تعبث بالعقول والقلوب؟

لماذا أصبح رمضان يترك صداه الظاهري فقط؟

لماذا أصبحت التبعية شأنا مؤسسا في غياب البناء العقلي والروحي الذي بنى حضارات الأمس حينما كان الغطاء فضاء الوحي، وحاكمية الله، وأدوات التطبيق والتبليغ تجسد الواقع وتؤمنه؟

ثمة أشياء انفلتت من بين أصابع واقعنا كما ينفلت الماء ودون شعور منا، قيم قوضت لنرتد للوراء بسرعة الضوء والمعنى.

متاريس كبرى تعترض طريق الارتقاء عندنا، واستراتيجيات سلطوية مورست ولا زالت تمارس ضدنا، لنعيش مفارقات ومتاهات أحكمت قبضتها على مسارات الروح والعقل والمقدس.

عبثية من نوع آخر تلوح بوجودها، فنسأل الله العافية والسكينة والهداية.

دة. سكينة العابد

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *