المفكّر المهدي بنعبود، وسؤالُ الصّحوة الإنسانية الكبرى


يعد الدكتور المهدي بنعبود -رحمه الله- واحدًا من المفكرين بالمغرب الأقصى، وواحدًا من أبناء الصحوة الإسلامية إلى جانب أساتذة آخرين ساهموا في إيقاظ الوعي الإنساني. وللدكتور المهدي بنعبود اهتمامات كثيرة، فهو أديب أريب، وطبيب لبيب، ومفكر نجيب، فضلا عن كونه شاعرًا لخّص في شعره أزمة الحضارة المعاصرة، والتطلّع إلى مستقبل الإنسانية المنشود. وقد كان همُّهُ بناء الإنسان المعاصر على عدة أسس، بل على أُسِّ العقيدة الشاملة، حيث كان يسعى إلى تأسيس مشروع فكري نهضوي إسلامي إنساني، يوحّدُ الجهودَ، ويرفع القيودَ، لإقامة الأملِ ورفع الهممِ. فكان طبيبًا؛ لأنه كان يرى أن النهضة الكبرى لا تكون إلا بسلامة العقول، والأبدان. وكان مفكرًا إسلاميًا؛ لأنه آمن بأن العقيدة الإسلامية هي الوقود الذي يشعل جذوة الإنسان، إذِ العقيدةُ -في نظره- “هي التي تدفع الإنسان قدما إلى الأمام، وتسلحه بمعدات ووسائل تحقيق الذات، وحماية النفس من الأهواء، كما ترشده إلى منهاج التقوى، الشيء الذي يتضح معه أن العقيدة الشاملة، تكون شاملة علمًا وعملا، شاملة في الماضي والحال وفي المستقبل”(1).

وكان طبيبًا؛ لأنه كان يرى أن الأدب ينمّي الأذواق، ويمنع تحجّر القلوب. ولذلك كان ينظر إلى الإنسان على أنه: “وحدة متماسكة العناصر المادية والمعنوية للمحافظة على الاعتدال في كل شيء، بحسب الوسطية المتوارثة. وإنه لمن الواجب أن تتميز اهتمامات التفكير في الجمع بين العلوم الطبية، والطبيعية، والإنسانية، والأخلاقية والقيم العليا، لصياغة الصورة البشرية في قالب الحقيقة ومجتمع محافظ على “أحسن تقويم حسا ومعنى””(2).

هذا؛ وقد كان المفكر المهدي بنعبود في كتاباته، ومحاضراته، ولقاءاته يتحدث عن الصحوة الإنسانية الكبرى، تلك الصحوة التي استمدها من القصة الفلسفية الشّهيرة “حي بن يقظان”، التي ألّفها الفيلسوف ابنُ طُفيل؛ بيد أن رواية المفكر المهدي بنعبود المعنونة بــ: “عودة حي بن يقظان” أُلّفت وفق إطار إسلامي صحيح، أساسه العقيدة السليمة، إذ يقول: “تصورت الصحوة لحي بن يقظان انبعاث الإنسانية من مرقدها، خروجا من ظلمات الرذائل إلى نور الفضائل تدرجا في سلّم الكمالات الحقيقية، وابتعادا وتطهيرا من أمراض القلوب التي في الصدور، وعلى رأسها الجهل المركب، والكبر المغرور، والوهن الأعمى، والخوف من الأغيار، والقلق من الغد الغائب”(3).

والمتفحّصُ لأفكار الدكتور المهدي بنعبود يجد أن الصحوة -عنده- لا يمكن أن تكون خارج الإسلام الصحيح، الإسلام الذي يجمع بين الباطن والظاهر، يقول: “إن الصحوة هي الاستنارة بالاعتصام، والتسلح بالقوة الإرادية والعقلية والخلقية، والروحية والدفاعية والربانية، المستمدة من الصفات العليا والأسماء الحسنى ونور السماوات والأرض، والاستعانة باسم الله القوي العزير لخير الإنسانية، دون استثناء زماني، أو مكاني، أو عرقي، أو لوني، أو مذهبي، احتراما لحرية الإنسان في دائرة الحكمة، والصواب، والعدل والإحسان..”(4).

وقد كانت لهذه الصّحوة الإنسانية عدة تجليات في فكر العلاّمة المهدي بنعبود، إذ نجملها في التجليات الآتية:

التجلي الأول: في نقد الحضارة الغربية المعاصرة؛ عندما كان الدكتور المهدي بنعبود قاطنا بديار الغرب، وخاصة في أمريكا، شخّص عن كثب ما كانت تعانيه الحضارة الغربية من أزمات، نذكر منها: التفكك الأسري، والفراغ الاجتماعي، والانتحار، والإدمان، والفراغ المعنوي، والإحباط، والحروب، والتلوث الفكري.. وغيرها؛ فيقول المفكّر المهدي بنعبود: “الحضارة عندهم أوج الرقي والتقدم، وما هي في الواقع إلا بداية النهاية، بخراب الباطن في مجتمع تقدمت فيه الآلات وتأخرت النفوس، إلى حد الميوعة والتفاني في سوء الأذواق، وفساد التفكير، ومرض القلوب، وتشويه الجمال، وطمس البصيرة، ونسيان النفس، وقتل الأرواح في مستنقع الفواحش. وأفول نجمها وتدهور مجتمعاتها، واضح في تفكك الجماعة، وتفسخ السلوك ومطلق النسيان لحمل الأمانة القدسية بمعرفة الحق والعمل به”(5).

لقد درَس المفكر المهدي بنعبود أسباب تدهور الحضارات، وعايَنَ أمراضَها، وخرج بعِبْرة مفادها أن: “العالَم سيبقى في حالة تدهور مهما كانت قوته العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية البراقة. ما دامت تحكمه عقلية السوق والسحت، بدلا من عقلية الحكمة والعلم النوراني، من حق وخير وجمال باتصال المعنى بالمبنى، والظاهر بالباطن، والنفس بالجسد، والروح بالمادة”(6).

التجلي الثاني: في تقوية البعد الروحي لدى الإنسان؛ حاول الدكتور المهدي بنعبود في كتاباته تقوية الجانب الروحي في الإنسان، حتّى يحصّن الشبابُ المسلمُ نفسَهُ من التيارات الغربية، من خلال عودته إلى القيم الإسلامية الروحية التي تحفظ الإنسان المسلم من التبعية والتغريب، حيث كان يشير إلى الصحوة الروحية التي تحفظ الإنسان من التلف والانهيار، فيقول الدكتور المهدي بنعبود: “الصحوة هي إنقاذ النفس، والعقل، والقلب، من القلق، والضجر، والحيرة والضلال، والخوف والرعب، والجور والاستعباد، والغموض والضياع، والفراغ المعنوي والخواء الروحي، والخوف من المجهول في العاجل والآجل”(7).

وانطلاقا من احتكاكه بالشباب المسلم في مختلِف بلدان العالم، وجد الدكتور المهدي بنعبود أن بعضا من هذا الشباب قد فَقَدَ معنى الوجود؛ نظرا لكونه يعيش في أحضان “حضارة” غارقة في التناقضات، والصراعات، يقول: “بفقدان المعنى للوجود يشعر الإنسان بالفراغ والضياع، ومن جراء الفراغ والضياع يتولد القلق والضجر، ومن أعراض القلق والضجر يتفشى البؤس المعنوي، ومن هذا البؤس المعنوي يلجأ ضحاياه إلى الإباحية والاستهتار، والفسوق والفواحش والمسكرات والمخدرات، لإطفاء اللهيب الباطني من شقاء الضمير وحيرة وبلبلة وغموض الاتجاه في الحياة، والتشتيت الفكري الدافع إلى الفرق شبه الدينية والحركات المتطرفة الإيديولوجية، فضلا عن الشعوذة والسحر وشراء التمائم والانغمار في دوائر الرقص والمجون، والميل المعاصر إلى الفنون المشوهة المريضة والآداب، والأشعار المائعة، والغامضة”(8).

التجلي الثالث: في تقوية الصّرح العلمي؛ كان همُّ المفكّر المهدي بنعبود تجديدَ النظر في العلم والمعرفة، وإمداد الطالب الباحث بآليات ناجعة، وطرق جديدة في البحث والطلب، وهو بذلك يدعو إلى صحوة علمية في جميع ميادين البحث والمعرفة، يقول: “إن حب الحقيقة العلمية، والدينية، والأخلاقية، والفنية، والسياسية مقرون فيه الجانب العلمي بالجانب الذوقي الجمالي فتبتهج النفس بروعة العمليات الرياضية الحسابية وحل مشكلاتها، وتتمتع بالإتقان الرباني في هندسة جسم الإنسان ودقة الوظائف النفسية، والفكرية..”(9).

ويضيف العلاّمة المهدي بنعبود، في هذا الصدد: “فعلى طالب العلم الذي يريد صواب الحكم والتفكير أن يكون على بينة من تطور النظريات العلمية في سائر فروع المعرفة. فلابد والحال كهذه من التفتح والانتباه، ودوام البحث والتفكير لتفهم المحصول، واكتشاف الجديد”(10).

إن كل هذه التجليات، والنظرات كانت تصبّ في أَرِبٍ واحدٍ، هو بناء الإنسان الخيّر، الذي خُلق في أحسن تقويم، وهذه الأفكار كلها تساؤلات: “استفزت العلامة المهدي بنعبود زهاء قرن من الزمن للبحث الرصين والتأمل العميق سعيا إلى بناء مشروع فكري تجاوز من خلاله الخصوصية الجغرافية، واللغوية الضيقة منطلقا نحو الكونية الواسعة التي تسعى إلى لم شتات الإنسانية جمعاء، وتوحيدها استنادا إلى القيم المشتركة باعتبارها الضامن الوحيد لقيام سلم عالمي، وأمن إنساني، ووحدة بشرية بعيدا عن أشكال الصراع العسكري، والتعصب المذهبي، والتطرف الديني، والإرهاب الفكري بشتى ألوانه، وأصنافه”(11).

وقبل أن أغادر هذه الأفكار النيّرة للدكتور للمهدي بنعبود، التي انتقيتها من كتاباته دون أن أدّعي فهمها، أحب أن أختم برأي هامّ لخبير المستقبليات الدكتور المغربي المهدي المنجرة -رحمه الله- قاله في حق العلامة المهدي بنعبود: “والرجل ذو المنهجية الواضحة والتفكير السليم أيضا، ذو فكر نظري ثاقب، فكر لا ينفصل فيه بحث المعرفة عن الشروط الأخلاقية، والطموحات الروحية، والطرق الهادفة إلى تحسين وضعية البشرية”(12).

 ذ. محمد حماني

……………………………………..

1 – الأعمال الكاملة للدكتور المهدي بنعبود/ رصد الخاطر – 1 – أزمة الحضارة المعاصرة والتطلع إلى مستقبل الإنسانية، جمع وترتيب ومراجعة: الدكتور محمد الدِّماغ الرحالي، ص: 275.

2 – نفسه، ص: 293.

3 – عودة حي بن يقظان، المهدي بنعبود، كتاب الشهر (16) سلسلة شراع، س: 1997، ص: 88.

4 – نفسه، ص: 91 – 92.

5 – نفسه، ص: 24.

6 – الأعمال الكاملة، ص: 85.

7 – عودة حي بن يقظان، ص: 93.

8 – الأعمال الكاملة، ص: 65.

9 – مجلة “منتدى الحوار”، ع: 23، س: 2015، (أسئلة الإبداع والتجديد في فكر الدكتور المهدي بنعبود، نصوص تنشر لأول مرة)، ص: 32.

10 – نفسه، ص: 33.

11 – نفسه، ص: 4 – 5.

12 – عودة حي بن يقظان، حيث في ذيل الكتاب مقال، للدكتور المهدي المنجرة، بعنوان: “الطبيب والفيلسوف المناضل”، ص: 128.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *