الكون يستشرف نفحات شهر رمضان


تلوح في آفاق الكون بشائر شهر رمضان، سيد الأيام والشهور، وتملأ كل ركن من أركانه، بل كل ذرة من ذراته، بإحساس غامر بالسعادة والحبور، وتؤذن بتحول عظيم ينال إيقاعه وسيره، وباهتزاز هائل يغمر أعماقه وثناياه. إن هي إلا لحظات معدودات، حتى يتبدل الزمن غير الزمن، والموازين غير الموازين، والناس غير الناس، والإحساس غير الإحساس.

بعد حين سيرتدي الكون حلته القشيبة الموشاة باللآلئ المنيرة والجواهر الحسان، المضمخة بأزكى الروائح والعطور، تعبيرا عن عودة الروح لجسد منخور.

بعد حين ستصب على الكون المكلوم شلالات من نور، تمسح عن وجهه بقع الظلام، وتنعش في أحشائه سر الحياة، بعد خمود وهمود، وتلبسه حلل الكرامة بعد تعريه المنكود، عن معاني الحقيقة وقانون الوجود.

ما أشبه وضع الكون بعد انصرافك يا رمضان منذ سنة خلت، بوضع قوم موسى ، وقد انتهزوا فترة غيابه عنهم، ليصنعوا لهم عجلا جسدا له خوار، ويعكفوا عليه، في بلاهة وذهول، بالعبادة والتقديس والتبجيل، وما أشبه سحر الدنيا وفتنتها القاهرة، وغوايتها العاتية الغامرة، بسحر ذلك العجل الكاذب الخوار، المدجج، حتى التخمة، بحيل المخادعة والتخييل. وما أشبه دور عتاة المكر ودهاقنة الفساد، بدور السامري، وهو يجمع حلي القوم المغفلين، ليصنع منها عجله الأجوف المذعور، وما أشبهك يا رمضان الكريم، وأنت تهل من جديد، بطلعتك البهية السمحاء، ولوائحك الصارمة العصماء، بكليم الله موسى عليه السلام، وهو يعود لتصحيح الوضع المشؤوم، وليشهد ما صنعت يد السامري من زور وبهتان وقد حرق ونسف. وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسفا (طه: 97).

وما أشبهك في سعة صدرك يا رمضان وأنت تتهيأ لمعالجة المرضى وإرشاد التائهين، وترويض القساة المتوحشين، وتطهير المذنبين، بسيدنا موسى عليه السلام وهو يغالب خشونة قومه وطباعهم الرعناء، ويستفرغ وسعه، ويبذل قصارى جهده، لسوقهم إلى واحة الطمأنينة والأمان.

أنت يا رمضان نعم الأنيس ونعم الجليس، تأتي على قدر على رأس كل عام، لتسبل صوب غمامك المنعش الفياض، على القلوب العطشى، وعلى كل المساحات القاحلة المشرئبة إلى الغيث والإرواء، وما أشد تكاثرها في زمن يشحذ فيه الحلف الشيطاني البغيض أسلحته لتجفيف منابع الخير وإحراق قوارب النجاة.

ها هي ذي الجموع المتحرقة إلى مائك العذب الزلال، تلوح بيد الأمل الواسع العريض لموكبك المشع بوهج الإيمان واليقين، تقبس منه لرحلتها الموحشة زاد الطريق، ونداوة الحق المبين.

وها هي ذي يا رمضان الكريم مياهك المباركة الطيبة تنهمر مدرارة على كل البقاع، فتينع بساتين ورياض وحقول، وترتفع للحق والخير والجمال حصون وقلاع.

ها أنت تهل يا رمضان الكريم على أمة منكوبة مقصومة الظهر ممزقة الأشلاء، مفرقة الأهواء، تعرض عليها من جديد هدية السماء، وتحرض جموعها على الأوبة إلى الحق واستجابة النداء.

أتيت يا غرة الشهور، تحمل بين يديك البلسم والشفاء، لعالم ظالم مغرور، وتنذر الناس من أهوال يوم مشهود، فيقبل المقبلون، ويحجم الأشقياء المجرمون، وتقيم الحجة في صفاء وجلاء، وتعذر إلى من ولاك هذه المهمة العصماء، رب الأرض والسماء.

أنت يا رمضان حجة لنا إن أذعنا وأطعنا، وحجة علينا إن أعرضنا وأبينا، وأعظم بها بين الحجج حجتك، وبين البراهين برهانك، قرآن الله الذي لا تنتهي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، وما تركه من جبار إلا قصمه الله العزيز الجبار.

فيا ليت قومي يندمون ويرعوون، وعلى مأدبة الله يقبلون، ومن خيراتها يغرفون، ومن أنوارها يقبسون. وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (الأنفال: 24).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *