الدكتور عصام البشير – رحمة الأمة بين فقه الائتلاف وأدب الاختلاف* (1)


تفكيك معاني المفاهيم ودلالات المصطلحات:

بادئ ذي بدء يحسن بنا أن نفكك معاني المفاهيم ودلالات المصطلحات؛ لأن أكثر ما يشيع البلبلة بين أبناء الأمة أن تضطرب المعاني، وأن تختل المفاهيم، وأن تضل البصيرة اتجاه المعاني فهما في عالم التصورات، وتطبيقا في عالم التصرفات.

الرحمة! ما هي الرحمة؟ الرحمة كلمة مركبة من أمرين: من رقة وتعطف، ومن إحسان. فجعل الله تبارك وتعالى الرقة والتعطف مركوزة في بني الإنسان، وتفرد مولانا جل في علاه بالإحسان. الرحمة أمسك الله سبحانه وتعالى تسعة وتسعون منها وأنزل واحدة منها على الأرض بها يتراحم الخلائق: «وإن الدابة لترفع حافرها عن ولدها رحمة به». ومن أسمائه الرحمن الرحيم، في استهلالنا باسم الله الرحمن الرحيم وفي سورة الفاتحة التي نقرأ بها سبع عشرة مرة في فروض الصلوات في اليوم عدا النوافل الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، الرحمن على وزن فعلان، والمعنى ذو الرحمة الشاملة التي لا نظير لها والتي عمت الخلق جميعا مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، تقيهم وشقيهم، عمتهم في أرزاقهم ومعاشهم. فالرحمن عمّت، والرحيم خصت، وكان بالمؤمنين رحيما. يقال: للإنسان رحيم، ولا يقال: إنه رحمن لأن الرحمن اسم اختص به تعالى نفسه: الرحمن فاسأل به خبيرا. والرحم قال الله تعالى: «شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، ومن قطعك قطعته»، الرحمة إذن هي رقة وتعطف وإحسان.

أما الفقه: الفقه له مدلول اصطلاحي، في معرفة الأحكام الجزئية من أدلتها التفصيلية. ولكن هذا اصطلاح متأخر. بيد أن كلمة الفقه التي تعني خصوصية الفهم، وردت في القرآن المكي وفي السور المكية قبل أن يفصل الحلال والحرام، وقبل أن يتنزل التشريع، فالقرآن الكريم نفى عن المشركين الفقه: في قلوبهم أكنة أن يفقهوه فقه هذا الوحي المتنزل على رسول الله ، والله تعالى نفى كذلك عن المنافقين الفقه، بمعنى سنن الله تعالى في النصر والهزيمة ومداولة الأيام بين الناس. حتى الآية التي تحدثت عن الفقه: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين. قال: ليتفقهوا في الدين يعني في الدين كل الدين، والدين كما نعلم عقائد وشعائر وشرائع وقيم ومعاملات، فأخذت المعنى الأوسع. وفي الحديث المشهور الوارد في الصحيح: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين» أي في الدين كل الدين، ليست المعرفة في جزئيات الأحكام التفصيلية. وهذا ما أشار إليه حجة الإسلام الإمام الغزالي في مقدمة كتابه الإحياء، ذكر خمسة مصطلحات وقع فيها تحوير عن دلالاتها، ومن بينها مصطلح الفقه، حتى إن رجلا جاء يسأل الحسن عن مسألة فأجابه فيها فقال له: إن الفقهاء يخالفونك، فقال له: ويحك ! وهل رأيت فقيها بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب إلى الله، البصير بدينه، الكاف نفسه عن أعراض المسلمين، والناصح لجماعتهم. قال الإمام أبو حامد رحمه الله تعالى: لم يقل له الحافظ لفروع الفتاوى فإن ذلك يأتي بطريق التبع. والإمام أبو حنيفة رحمه الله سمى التوحيد الفقه الأكبر، فهناك فقه أكبر وهناك فقه أصغر وهناك فقه متوسطة والذي تحرر لي باستقراء مجموع نصوص القرآن والسنة واللغة ودلالة كلام أهل العلم قديما أن الفقه فقهان: فقه عن الله فيما شرع، وفقه عن الله فيما خلق. فالفقه عن الله فيما شرع هو فقه الأحكام التنزيلية لكتاب الله المقروء؛ والفقه عن الله فيما خلق فقه آيات الله تعالى في الكون المنظور. فلدينا كتابان: كتاب مسطور وكون منظور. فالكون المنظور الفقه فيه فهم عن الله فيما خلق، والكتاب المسطور الفقه فيه فهمٌ عن الله فيما شرع. وبهذا يستوعب الفقه مصادر المعرفة. فالمعرفة لها مصدران: وحي الكتاب المسطور، وفقه الكون المنظور. هذه مصادر المعرفة، ووسائل المعرفة: والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة، هذه وسائل المعرفة، وتلك مصادر المعرفة.

أما فقه الائتلاف، فالمقصود ههنا فقه الجوامع المشتركة؛ أي فقه المشترَكات، الذي يمثل الأرضية الجامعة التي ينبغي أن يجتمع عليها الناس، سواء كان ذلك في محكمات الشريعة أو قطعياتها أو ثوابتها أو أصولها، هذا في المشترك الديني، أو كان في المشترك الإنساني، أو كان في المشترك الحضاري، هذا كله يطلق عليه فقه الائتلاف.

وأما أدب الاختلاف يقصد به مراعاة الآداب التي ينبغي أن نتغياها عند وقوع الاختلاف. والاختلاف سنة من سنن الله في الكون، كما هو سنة من سنن الله في الخلق، فالله تعالى يقول: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم. التصور الإسلامي في هذا يقوم على مبدأين عظيمين: المبدأ الأول: وحدانية الخالق عز وجل، والمبدأ الثاني: التنوع والاختلاف في الخلق. هذا التنوع، وهذا الاختلاف، وهذه التعددية عرفنا منها التعددية الدينية: لكم دينكم ولي دين، عرفنا منها التعددية الحضارية، كانت حضارة الإسلام وبجانبها حضارتان: فارس والروم. واليوم نعيش هذه التعددية الحضارية في واقعنا المعاصر وعرفنا في أمة الإسلام التعددية الفكرية، التعددية المذهبية، التعددية الجزئية، عرفنا هنا ألوانا من ضروب هذه التعدديات التي تنبئ عن التنوع في الاختلاف. وإذا كان الاختلاف سنة من سنن الله تعالى في الخلق، فكذلك هو سنة من سنن الله تعالى في الكون. هذا الاختلاف الذي يدل خلق وعجائب قدرته في الوجود يدلنا على أمر ذي بال وهو أننا حينما نسعى، لسنا نسعى لإلغاء هذا الاختلاف، ولكن لننتقل به من عالم التضاد والتشاحن إلى عالم التنوع والتعاون الذي يشكل عامل ثراء وخصوبة، ويعمل على حشد طاقات الأمة، وتعبئتها بما يعود بالنفع لخيري الدنيا والآخرة. والسؤال والتحدي ليس في إقرار مبدأ الاختلاف، فذلك أمر مسلم به، ولكن في حسن إدارة الاختلاف، وفي مراعاة أدب الاختلاف، حتى لا يكون هذا الاختلاف خصما على الأخوة الإيمانية، وليس خصما على إعمال هذه المشتركات التي من شأنها أن تأخذ بأسباب النهوض والرقي في الأمة.

من أسباب الاختلاف:

الأمر الأول: إن الله تعالى، أيها الأحباب، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لو شاء لأنزل الدين من قبيل المحكمات القطعيات الثابتات التي لا تحتمل أكثر من وجه في التفسير. ولكن الله تعالى أنزل الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب: هن أم الكتاب. هذه تمثل الثوابت، تمثل القطعيات والمشتركات التي لا ينبغي أن نختلف عليها، تعبر عن الوحدة الفكرية الجامعة، والأرضية الصلبة التي ينبغي أن يقف عليها المسلمون. ﴿وأخر متشابهات: تحتمل أكثر من وجه في التفسير، وهذا باب يوقع مشروعية تنوع الاختلاف وتعدد الرأي في فهم مراد كلام الله  وفي كلام رسوله .

الأمر الثاني: إن الأمر لم يقف عند حد أن بعض آيات الكتاب من المحكمات وأن بعض آياته من المتشابهات، مما يوقع الاختلاف في فهم هذا. وإنما نزل الكتاب بلسان العرب، ولسان العرب فيه الحقيقة والمجاز، وفيه الخاص والعام، وفيه ما يفهم بالعبارة وما تدل عليه الإشارة، وفيه ما يؤخذ بالفحوى والمقصد وما يدل عليه بظاهر العبارة. فإذا كان لسان العرب يستوعب كل هذه فهو أيضا باب لإيقاع إمكان الاختلاف في فهم النصوص ودلالاتها.

والأمر الثالث: أن طبيعة البشر، وهم يختلفون سعة وضيقا في العلوم والمعارف؛ ويتباينون في التكوين النفسي والعقلي والعاطفي؛ الأمر الذي يوقع بالضرورة تباينا في النظر، وتعددا في وجهات الرأي. ولذلك رأينا الصديق  يميل إلى المن أو الفداء في أسرى بدر، وأن عمر  يميل إلى الحز بحز الرقاب. وشبه النبي  الصديق بقول عيسى: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ وبقول إبراهيم : ومن عصاني فإنك غفور رحيم؛ وشبه ما ذهب إليه الفاروق بقول نوح: رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وبما ذهب إليه موسى : ربنا اقصف على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الاليم. وإذا انتقلنا من الإمامين العظيمين الكبيرين الجليلين إلى صغار الصحابة وجدنا أن ابن عباس مذهبه يميل إلى الرخص، وأن ابن عمر يميل إلى الأخذ بالعزيمة. فما ضاقت الأمة برخص ابن عباس، ولا ضاقت بعزيمة ابن عمر. كان ابن عمر إذا جاء إلى مكة وطاف حول الكعبة، ورأى الزحام يتدافع حول الحجر الأسود، فإنه يقدم عليه حتى تدمى قدماه، فإذا سئل قال: هوت الأفئدة إليه، فأحببت أن يكون فؤادي معهم. أما ابن عباس حبر الأمة وحبرها، فكان يقف بعيدا ويقول: لا يؤذي ولا يؤذى. هذا مذهب وهذا مذهب؛ ابن عمر كان لا يحب أن يحمل الصبيان على صدره خشية أن تسيل بعض النجاسة عليه. وابن عباس كان يضمهم إلى حنايا صدره ويقول: إنما هي رياحين نشمها. وإذا انتقلنا من هذين الصحابيين الجليلين، وهما من الستة الذين انتهت إليهم إمامة الفتيا في عصر الصحابة، أي أنهم من المكثرين في الفتيا كما ذكر العلامة ابن حزم؛ انتقلنا إلى الأخوين الحسن والحسين رضي الله عنهما، رأينا الحسن قد تنازل عن حقه ليلتئم شمل الأمة ويسمى عام الجماعة. والحسين  وعن الحسن، يقاتل في سبيل الحق إلى أن يلقى ربه شهيدا؛ هذا مذهب وهذا مذهب، والأمة كلها اغترفت من لين أبي بكر، ومن عزيمة عمر، ومن رخص ابن عباس، ومن شدة ابن عمر، ومن منهج الحسن، ومن منهج الحسين، ومن مذهب أبي حنيفة، ومن اجتهاد سعيد ابن المسيب، ومن ظاهرية ابن حزم، ومن مقاصدية الشاطبي، ومن رقائق الجنيد، ومن فلسفة أبي حامد الغزالي، ومن اجتهاد ابن تيمية، وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الديم.

من هنا وجدنا أن ظاهرة الاختلاف في فهم النصوص إما لأن طبيعة النصوص تقتضي ذلك أو أن طبيعة اللغة تقتضي ذلك، أو أن طبيعة البشر تقتضي ذلك، أو أن طبيعة الكون والحياة تقتضي ذلك، أو أن فهم الواقع وتنوع البيئات تقتضي الذي من خلاله قرر العلماء من أن الفتوى تختلف باختلاف الجهات الأربع، الزمان والمكان والعرف والحال. وهو ما أصاب العلامة ابن القيم في مقدمة الجزء الثالث من إعلام الموقعين في ذكر ما يزيد عن مئة كتاب على مشروعية تغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والعوائد والأحوال والنيات، ويقول هذا فصل عظيم جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والضيق والتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة لا تأتي بمثله. ففهم الواقع، وتطبيق أو تحقيق المناط، وتنزيل أحكام الشرع على الوقائع المتجددة أو على البيئات المختلفة تبعا لذلك أيضا يقع اختلاف باعتبار النظر. والاختلاف في بعض الأحيان لا يكون على النصوص، وإنما يكون على تصور الوقائع التي تتنزل عليها النصوص. وقد ذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام في كتابه الأموال: أن أهل قبرص كان بينهم وبين المسلمين عهد، فوقع منهم ما يشبه نقض العهد، فاستشار الخليفة سبعة من فقهاء المسلمين منهم مالك، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، وغير هؤلاء. فذكر هؤلاء السبعة سبعة أجوبة، واستدل كل واحد منهم لجوابه بدليل شرعي، والخلاف كان مبعثه في تصور الواقعة التي يتنزل عليها الحكم الشرعي. ففهم الواقع أيضا باب يقع في مثله الاختلاف.

وقد يقع الاختلاف نتيجة اختلال أو تفاوت في ترتيب الأسبقيات والأولويات. وبعض الناس هذا الفقه عندهم ضعيف، فقه مراتب الأعمال. أن كل حكم في الشريعة له تسعيرة محددة، فلا ينبغي أن نقدم ما حقه التأخير أو أن نؤخر ما حقه التقديم، لا نهون العظيم ولا نعظم الهين، بل ننزل كل حكم حسب معيار الشريعة إن كان فرضا أو كان ندبا أو كان مباحا أو كان كراهة أو كان تحريما. وحتى التحريم: هنالك تحريم مقاصد وهنالك تحريم وسائل، محرم لذاته ومحرم لغيره، تتفاوت الدرجات. والإيمان شعب أعلى وأدنى، والذنوب كبائر وصغائر. كل هذا يدل أن هنالك اختلاف أيضا يكون مبعثه هو التباعد في تقدير سلم الألويات، التي ينبغي أن تأخذ حظها من النظر. ومن هنا، كان لابد أن نربط مسألة الاختلاف بمسألة الرحمة. هذا الربط من أين يأتي؟ نقرأ قوله تعالى: ولا يزالون مختلفين إل من رحم ربك ولذلك خلقهم. قال بعضهم للاختلاف والرحمة خلقهم. فإذا راعى المسلمون هذا الاختلاف أدبا وأنزلوه منزلته كان هذا الاختلاف من باب السعة والرحمة والتيسير؛ وإذا لم يراعوا الآداب التي تتصل به، أفضى ذلك الاختلاف إلى التشظي، وإلى التشرذم، وإلى التهاجر، وإلى التقاطع، وإلى التدبر المؤدي إلى الفشل وذهاب الريح.

الدكتور عصام البشير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>