إلى أن نلتقي – لو كان بيننا الحبيب المصطفى… !


أستعير هذا العنوان الذي وُضع من قبْل عنوانا أيضا لأكثر من مادة، فهو فعلا عنوان دالّ معبر، وخاصة في زماننا هذا الذي ضاعت فيه العديد من القيم، وأصبحنا نبكي فيه ليس فقط على ماضي السلف الصالح، ذلك الماضي القديم الزاهر، الذي رغم بساطته كانت فيه مِن الأمجاد، ومن القيم ومِن البطولات ما أهَّل سلفَنا إلى أن يكونوا صُنَّاعَ حضارة قَلَّ نظيرها، وبُناةَ قِيَم عزَّ مثيلها، ولكن أصبحنا نبكي أيضا على ماض قريب، جدِّ قريب، اصطلح العديد على تسميته بأيام الزمن الجميل.

لو كان بيننا الحبيب المصطفى  ورآنا وما نحن فيه مِن فُرقةٍ وتشَتُّتٍ لوعظنا أولًا بما نزل عليه في قوله تعالى:وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمُ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا(آل عمران: 103)، ولذكَّرنا بأن أُمَّتَنا أمة واحدة مصداقا لما ورد في قوله تعالى: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(المؤمنون: 52).

لو كان بيننا الحبيب المصطفى  ورأى ما حلَّ بالأمَّة، في العديد من أقطارها، من سفك للدماء، ومن تناحر واقتتال، لذكَّرنا بما ورد في قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون(الحجرات: 10)، وما ورد في خطبته في حجة الوداع في قوله : «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ [قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ]: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي  كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»(البخاري ومسلم).

لو كان بيننا الحبيب المصطفى  ورآنا وما نحن فيه من تدابر وتنافر وتحاسُدٍ لوعظنا بما ورد في قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ، إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَاكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيِّتًا فَكَرِهْتُمُوهُ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(الحجرات: 12)، ولذكَّرنا بقوله : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» (رواه البخاري).

لو كان بيننا الحبيب المصطفى ورآنا وما نحن فيه من أنانية وبغض واحتقان وكيْد البعض للبعض، بلا سبب في معظم الأحيان لذكَّرنا بقوله : «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ» (البخاري ومسلم).

لو كان بيننا الحبيب المصطفى  ورآنا وقد اختفت بيننا مظاهر الحب والود، حتى إلقاء السلام وردّه -والناس في الطريق إلى المسجد- قد اختفى أو كاد، لذكَّرنا بقوله : «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ… وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ» (رواه الترمذي والبيهقي وغريهما).

لو كان بيننا الحبيب المصطفى  ورآنا وما نحن فيه من تنازع في أمور الدين والدنيا؛ كلٌّ يدعي العلم والفهم، والكل ينصِّب نفسه مفتيا، والكل يجعل نفسه عالما، حتى ولو كان بين هؤلاء وبين ما يدَّعون مسافات، لذكَّرنا بقوله : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح)، وبقوله  في خطبة حجة الوداع: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» (صحيح مسلم).

لو كان بيننا الحبيب المصطفى  ورآنا وبعضنا يسعى إلى بث الفُرقة، وإشاعة الكراهية، ونشر أسباب الخوف والترهيب والفتنة، لذكَّرنا بما منَّ الله به على العباد من نعمة الإطعام من الجوع والأمن من الخوف، وبقوله : «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» (رواه أبو داوود)، «وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُمْسِي الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، وَيُصْبِحُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، يَبِيعُ أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» (مسلم).

لو كان بيننا الحبيب المصطفى  ورآنا ونحن في رمضان: مصلون صائمون قائمون، وقد اختفت العديد من مظاهر الشَّيطنة بين العباد، لقال: اثبتوا على هذا بعد رمضان، فلا شيء أكبر من التقوى، ولا شيء أعظم من الإنابة إلى الله.

فاللهم صل على الحبيب المصطفى مَا دَامَ لِلزَّيْتِ عَاصِرٌ، وما لاح في الجو طائر.

اللهم ردنا إليك ردا جميلا.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *