أثر الأسرة المسلمة في غرس القيم في رمضان


الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وأصلي وأسلم على سيّد الخلق وحبيب الرحمان سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

تقديـــم:

تكتمل زينة الحياة الدنيا بالمال والبنين طبقا لما أخبر به مالك الأرض والسماوات في قوله : المال والبنون زينة الحياة الدنيا(الكهف: 4)، ومن ثم يكون لعنصر الأولاد دور متميز في بناء المجتمع الإنساني وكمال كيان أمة قد تتقدم بأجيالها عبر مختلف الأزمنة والأمكنة أو تكون غير ذلك، لذا وجب الاعتناء بهؤلاء الأبناء من طرف الآباء في المقام الأول انطلاقا من داخل بيوتات أسرهم، كما يجب الاعتناء بهم في المقام الموالي  على صعيد المؤسسات التربوية والتعليمية والإعلامية والمجتمع في جميع صوره. وانطلاقا من هذا كله يبرز لنا دور الأسرة حيث تعتبر قاعدة الحياة البشرية، فقد شاء الله  أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة حيث قال :يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالا كثيرا ونساء واتّقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا(النساء: 1).

والقرآن يبني الأسرة ليشكل منها مجتمعا يقوم على أمانة دين الله في الأرض ومنهجه في الحياة ونظامه في الناس.

1 – خصــائص الأسرة المسلمة:

أ – الارتباط بالله:

التنشئة الصالحة للأسرة المسلمة باعتبارها النواة الأولى لبناء مجتمع مترابط مستقيم بالغ الأثر والأهمية في الأعداد والتنشئة لجيل يؤمن بالله ربا وبمحمد نبيا  حتّى تتحقق فيه منزلة الإمامة ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرّة أعين واجعلنا للمتقين إماما(الفرقان: 74)، فبناء الأجيال على القيم والأخلاق هو الذخر الباقي لما بعد الموت وهو كذلك يستحق التشجيع والاهتمام أكثر من بناء القصور والمنازل من الحجارة والطين، فالطّفل الذي ينشأ في أسرة مؤمنة سيتفاعل مع الجو الرّوحي الذي يشع في أرجائها والسلوك التطبيقي بين أفرادها.

ب- الارتباط بالأسرة:

التربية بالقدوة: لقد كانت القدوة أسلوبا تربويا فريدا يؤتي أكله بإذن الله تعالى. قال : يا أيها الذين آمنوا قو أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة(التحريم: 5) يعتبر هذا حثٌّ من الله  للآباء على تربية أبنائهم تربية إيمانية بالغة من كتاب الله وسنة رسوله. ففي تعاون الزوجين على تربية الأبناء ووقايتهم غوائل الدنيا يكون تيسير السبيل إلى وقايتهم من نار جهنم.

ولا نجد تصويرا لأثر الأسرة في تنشئة الطفل السليم أبلغ في التعبير من قوله تعالى: والبلد الطيّب يخرج نباته بإذن ربه…(الأعراف: 56)، وقوله : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء» (رواه البخاري)، فعلى المسلم اتجاه أولاده واجب لابد منه بحسن رعايتهم وتنشئتهم على أبواب الخير وحتّهم وتعويدهم عليها؛ لأن تربية الأبناء على هذه المعاني يعود بدرجة كبيرة إلى مقدار تمثلهم لها، فأنى للكيان الأسري الذي تربوا فيه من خلال تصرفات القدوة التي توجههم لأن الولد ينشأ على ما تعود عليه.

وفي هذا الشهر الكريم المبارك لابد من تذكير الأبناء بحقيقة الصيام الذي هو طريق لتحصيل التقوى ومناسبة لمغفرة الذنوب:

بتعليم آداب الطعام من حيث الأكل باليمين وعدم الإسراف ولفت انتباههم لحال الفقراء والمعوزين باتباع سنة الرسول  وخاصة في هذا الشهر من تعجيل للفطور وتأخير للسحور وبركته.

وحثهم على المحافظة على الصلوات المفروضة في أوقاتها مع المسلمين وخاصة في هذا الشهر عند إقبال المسلمين على بيوت الله فتكون بذلك محطة انطلاق ليتعودوا على ذلك وتشجيعهم على صلاة التراويح، وامر أهلك بالصلاة واصطبر عليها..(طه: 130).

ورمضان أيضا فرصة عظيمة لتعليم الأطفال معنى الصّبر على الطاعة من خلال تحملهم الجوع والعطش وينمّي لديهم مخافة الله ومراقبته وربطهم بكتاب الله قراءةً وتعليما وحفظاً خصوصا أن هذا الشهر هو شهر القرآن بلا منازع والمؤسف أن كثيراً من الأسر تفتقد التطبيق الكامل الصحيح لمعنى تعظيم شعائر الله قال تعالى: ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب(الحج: 30).

إن امتثال الوالدين للقدوة الصالحة المنضبطة في احتراف شرف الزمان في رمضان وتعظيم شعائره يعد أكبر أسباب انضباط الأبناء وهدايتهم لأنهم يتشربون القيم الإيمانية عبر تصرفات الوالدين التي يلاحظونها بعيون دائمة الترقّب، قال : «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته فالرجل راع في أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته» (حديث متفق عليه) فرعيّة الآباء هم الأبناء ورمضان مناسبة قيمة لتزكية نفوس أبنائنا بالتقرب إلى الله بكثرة قراءة القرآن والذكر وقيام الليل، هذا كله مع التركيز على النية الخالصة لله  حتى تصفوا أذهان الأبناء وترقى إلى الله، وهذا خير استثمار لهذه المدرسة الربانية الرمضانية المتجددة.

ج – الارتباط بالمجتمـع من خلال وصايا لقمان:

شهر رمضان شهر تربية وتهذيب للنفس وتزكية لها عقيدة وسلوكا وأخلاقا، لذا نجد أن لقمان الحكيم حين أوصى ابنه لم يقتصر على العقيدة فحسب ولكنه عرج به على الأخلاق ولما يحتاجه الأبناء كي يكتمل تدينهم.

قال تعالى: واصبر على ما أصابك لقد وصى لقمان ابنه بالصبر؛ لأن بالصبر يتمكن المسلم من ضبط النفس لتحمل الميثاق في هذه الحياة وبالتعود على الصبر بتعليم الأبناء أن يفوضوا أمورهم لله ويكونوا صابرين على الطاعات وعن المعاصي وعلى أذى الناس.

ثم نبه لقمان ابنه إلى عدم التكبّر على خلق الله وأن يتصف بالتواضع منذ الصغر؛ لأن من شبّ على شيء شاب عليه، فالإعجاب بالنفس يورد الأبناء المهالك فهو يجر إلى الغرور ومتى كان الطفل مغرورا فإنه لا يقبل النصيحة ولا الإرشاد، وهذا كله يؤدي بالطفل إلى سلوك مشين فهو حتى في طريقة مشيته لافت للنظر بخيلائه وافتخاره على غيره، وهذا ما يبعده عن صفات عباد الرحمان الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم في سورة الفرقان ومنها قوله تعالى: وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا(الفرقان: 63) ثم عرج لقمان الحكيم بالتوسط في الأصوات والمشي وبأدب الحديث، وهذا حث على الثقة بالنفس وتنفير من سوء الأدب.

وهكذا يتضح لنا من خلال هذا كله العناية القصوى بغرس القيم والأخلاق وخاصة قيم السلوك وفن التعامل مع الناس كافة.

وأخيرا فليس من مقاصد القرآن الكريم أن يذكر لنا قصة لقمان الحكيم لمجرد الخبر والتسلية، ولكن ليكون منهاجا سديدا ونبراسا لتربية الأبناء. وعلينا أن نربي أنفسنا وأبناءنا وفق هذه المواعظ القيمة التي وعظ بها سيدنا لقمان ابنه حتى نرتقي بأنفسنا وأبنائنا ونتصل بالله عابدين له مخلصين وشعارنا التربية بالقدوة الحسنة قبل الموعظة الحسنة.

ذة. عفيفة غزال

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *