من أوراق شاهدة – غربة القرآن..غربة المسلمين 2/1


حطت بي مطالعاتي في الأيام الأخيرة بين دفات كتب ومقالات متعددة المصادر.. وقد أرقتني “إشكالية التغيير” الذي لا يزال رجما بالغيب بشكل أكثر إلحاحا، وكانت همي الكبير منذ حملت قلمي شمعة صغيرة أضيء بها رفقة معلمي وشيوخي معالم الطريق في نفسي والآفاق.

وشد انتباهي في السياق العدد الكبير لمعاهد ومؤسسات ضخمة نبتت مؤخرا في سائر أرجاء العالم الإسلامي وآوت بمنابرها أساتذة وباحثين يقرعون التشخيصات بالتشخيصات المضادة في اتجاه القبض على مقود القيادة لقاطرة الإقلاع والتحكم في بوصلة النهضة.

وفي إطار أبحاثي تلك حللت ضيفة افتراضية على معهد “عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية” ومن بين محاضرات عديدة عن الفساد في العالم العربي ونماذج من اختلالات المشروعات النهضوية في غياب سياسات ناجعة ترسي أخلاقيات وقيما إيجابية بانية استوقفتني محاضرة الدكتورة “كارن آمسترونج” وهي مستشرقة بريطانية ذات نظرة منصفة ومنفتحة على العالم الإسلامي، حيث قالت من بين تصريحات جمة أن الناس بحاجة لمعرفة أن الإسلام دين عالمي لا دين إرهاب.

وقد عانت المستشرقة الأمرين لمواجهة الفكر الغربي المتطرف المشيطن للمسلمين، والذي سيقود إلى مواجهة بين العالمين المسيحي والإسلامي، وسيفضي إلى ما سمته “بكارثة مدمرة” كما تقول في كتاباتها. ودعت إلى تقدير العالم الإسلامي والمسيحي لبعضيهما..

ولأن الشيء بالشيء يذكر، فقد أثارني الحديث العجيب “لأرمانوسة” وهي ابنة عظيم القبط المقوقس، التي حين حاصر المسلمون إبان الفتوحات الإسلامية مصر، وأظهرت النساء الأسيرات وبينهن ابنة المقوقس خوفهن الشديد من المسلمين ظنا منهن أنهم متوحشون وسيفعلون بهن كما الجيش الروماني، انبرت للدفاع عن المسلمين وقالت عنهم بأنهم العقل الجديد للعالم، والذي سيضع الفرق الفاصل بين الحق والباطل، كما قالت في وصف رسول الله  وأن نبيهم أطهر من سحابة في سمائها، وأن المسلمين جميعا ينبعثون من حدود دينهم وفضائله لا من حدود أنفسهم وشهواتهم، وإذا سلوا السيف سلوه بقانون، وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون، وقالت أرمانوسة لوصيفتها أيضا: “لقد أخبرني أبي أن هذا الدين سيندفع بأخلاقه في العالم اندفاع العصارة الحية في الشجرة الخضراء”. (موقع قصة الإسلام للمشرف عليه الدكتور راغب السرجاني في موضوع: (أرمانوسة بنت المقوقس من هي؟ وماذا قالت عن الإسلام والمسلمين؟).

ولأن قضايا التغيير كانت تلازمني وتناوشني وأنا الفقيرة إلا من زاد المقلين العابرين فقد استفرغت جهدي الكليل لأقرأ بعضا من كتابات الدكتور جاسم سلطان أحد رواد مشروع الاستنهاض بالعالم العربي، حيث يدعو في كتابه العميق “بداية جديدة” إلى تغيير السلوك بتغيير القناعات، وإعادة النظر في جوهر العلاقة مع الله ومع الوجود والقطع مع ثلاثية لا أستطيع / ما أقدم / وما الفائدة /؟؟ واعتماد فكر يفضي إلى بناء نهضوي يرفع المسلم وأمته.

الكتاب مفيد جدا (إضافة إلى مؤلفاته الأخرى المكرسة لهذه الإشكالية) حيث يطل بنا الكاتب عبره على ورش متطلبات وشروط الحركة الرسالية والمثمرة للدين الكفيلة بتحقيق التمكين، ذلك التمكين الذي أصبح أثرا بعد حين.

وقد أمضني الوجد والحنين لهذا التغيير البعيد، ووجدتني حائرة أبسط أمامي مصادر الأمس من كتب أسائلها من أين نبدأ؟ ومن أين السبيل إلى معالم الطريق الحق؟؟ وقلقة مستوحشة كنت أقرأ وأقرأ، وكالممسوسة سرت في طرقات الكتاب الخالد لمؤلفه حسن الندوي [ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين] أتهجى معالم وهج البدايات، وكيف غطى الوهج إياه أكثر بقاع العالم بدائية وجاهلية، ونشر في ربوعها النور والعدل والسلام. وكيف استحلنا إلى ما قاله الشاعر الكبير محمد إقبال:

أرى التفكير أدركه خمــــول

ولم يبق في العزائم اشتعـال

وأصبح وعظكم من غير نــــور

ولا سحـر يطـل من مقــال

وجلجلة الأذان بكـــل حــــي

ولكن أين صوت من بلال

وأنا أقلب القلب والوجدان في مفاوز هذا الهوان العربي الإسلامي بين كتب ومقالات شدني كتاب “غربة القرآن” للكاتب مجدي الهلالي بكل فصوله القوية المعاني والرسائل، ومن بين فقرات الكتاب التي استوقفتني وهي أقرب إلى واقعنا حد التماثل تلك التي يحكي فيها عن قوم كانوا على ظهر سفينة تاهت بهم ووجدوا أنفسهم في جزيرة نائية دون مطاعمهم التي تعودوا عليها، وغدت أوراق الشجر طعامهم الأوحد رفقة أبنائهم، وحين كبر هؤلاء الأولاد وحدثهم الآباء عن الأكلات القديمة اللذيذة والفواكه المتنوعة الشهية لم يحسوا بقيمة تلك المآكل؛ لأنهم لم يعرفوها ليكونوا صورة حية عنها..

ويقول الكاتب إن حالنا اليوم يشبه حال أصحاب الجزيرة من الأبناء؛ لأننا لا نعيش في جلد الصحابة لتسكننا محبتهم وعشقهم لكتاب الله عز وجل، وتنقدح بالتالي في وجداننا مشاعرهم وعزتهم وهمتهم وسمو أخلاقهم.. وكيف نكون كذلك يقول الكاتب وأبناؤنا على سبيل الذكر يمزقون كتاب الله صفحات ويحملونها إلى دورات المياه أثناء الامتحانات لغش آمن ونقط عالية..

وللحديث حول هذه الغربة حلقة ثانية بإذن الله.

ذة. فوزية حجبـي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *