مع كتاب الله تعالى – ” فلينظر الانسان مم خُلق ” 2/2


مقاصد النظر في أصل خلقنا:

رأينا في الجزء السابق من هذا المقال أن الإنسان مأمور بإدامة النظر والتفكر في أصله ومادة خلقه، قال الحق تبارك وتعالى: فلينظر الانسان مم خُلق(الطارق: 5).

ذلك لأن نظر الإنسان في أصل خلقه والتفكر في المادة التي خلقه الله منها، يثمر كثيرا من المعاني السليمة والإيجابية، ويقوَم كثيرا من الأفكار والتصورات الخاطئة والباطلة، ويجعل الإنسان المتفكر يرى نفسه ويرى غيره من البشر ويرى الأمور من حوله رؤية صحيحة واضحة غير مغشوشة..

فمن الثمار الطيبة المترتبة عن النظر والتفكر في أصلنا ومادة خلقنا، أذكر ما يلي:

1 – ترسيخ الإيمان بالبعث والنشور:

فحين يدرك ويقر الإنسان بأن الله تعالى خلقه ولم يكن شيئا مذكورا، كما قال الباري : أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبلُ ولم يك شيئا(مريم: 67)، وقال: هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئا مذكورا(الإنسان: 1).

وحين يدرك ويقر بأن الله خلقه من تراب ومن ماء مهين؛ يتيقن بأن الخالق سبحانه لقادر على أن يحييه ويعيده مرة أخرى بعد أن يموت ويبلى، ويبعثه يوم البعث والنشور؛ فيستعد ويتزود لهذا اليوم..

وخير الزاد؛ التقوى كما أخبر به المولى . قال سبحانه: وتزودوا فإن خير الزاد التقوى(البقرة: 197).

2 – حسن الظن بالله وصدق التوكل عليه:

فالعبد حين يعلم كيف تولاه ربه سبحانه بحفظه ورعايته وهو نطفة ثم علقة ثم مضغة، وأطعمه وسقاه وهو في رحم أمه لا حول له ولا قوة، ولما حان الأجل المعلوم يسر له الخروج إلى الدنيا، فأخرجه من مسكن ضيق وعبر مخرج ضيق من غير أن يتأذى، إلى مسكن فسيح هو الدنيا، ثم أجرى له رزقه وطعامه من ثديي أمه لبنا متدفقا سائغا طاهرا معقما، وجعل له فيه الغذاء والدواء، دافئا في أوقات البرد والقر، باردا في أوقات الحر. فسبحان الخالق وسبحان الرازق.

فحين يعلم العبد ذلك ويتفكر فيه؛ يُحسن الظن بربه، فكيف ينسى هذا الإحسان كله، فيسيء ظنه بربه، ويطلب رزقه من غيره، ويتوكل على غيره…

فإن من جهل الإنسان وغفلته ظنه أن الرزق يملكه غير الله. سواء كان هذا الرزق مالا أو صحة أو ولدا أو نحوها، فترى من يتوجه بالدعاء والقرابين والنذور إلى الأضرحة، ومنهم من يعلق رزقه بالبشر، ومنهم من يبذل ويضحي في سبيل عرض من الدنيا كرامته وعرضه، بل ودينه.. “فيبيع دينه بعرض من الدنيا قليل”.

فيا أيها الإنسان الغافل الجاهل! مَنْ رزقك في بطن أمك فأوصل إليك طعامك وشرابك وهواءك وأنت جنين..؟

إنه الخالق الجليل والرب الكريم سبحانه. فكيف تطلب رزقك من غيره، وكيف تدعو غيره؟.. فتذكر وتفكر. قُتل الإنسان ما أكفره من أي شيء خلقه.

فإنما رزقُك في السماء وبيد من خلقك من قبل ولم تك شيئا، قال تعالى: وفي السماء رزقكم(الذاريات: 22)، فاسأل اللهَ رزقك فيرزقك وتوسل إليه بالأسباب المشروعة يوتك سؤلك.

ومن جهل الإنسان وغفلته: ظنه أن الرزق الواسع لا يأتي إلا بالأسباب المحرمة: تجارة بالمخدرات وغش وتزوير وخداع وسرقة.. فيسيء الظن بربه ويعلق قلبه بهذه الأسباب ويحسب نفسه ذكيا، وهو من أجهل الناس وأكثرهم غباء.. فيقول محاججا ومجادلا: لو لم تسلك ذاك السبيل عشت فقيرا ومت فقيرا… ولو لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب…

فهل رزْقُك الذي جاءك وأنت في بطن أمك، أنت من دبرته بغشك وخداعك وذكائك المزعوم، أم يسره له خالقك الذي خلقك من ماء مهين؟ فتذكر وتفكر: قتل الانسان ما أكفره من أي شيء خلقه.

إن الذي رزقك في بطن أمك من غير سبب منك هو الذي ضمن لك الرزق على الأرض، فاسع إليه واطلبه بما شرعه لك من أسباب لا بما يزينه لك الشيطان، قال المصطفى : «فأجملوا في الطلب».

ومن جهل الإنسان وغفلته: أنه يطلب الحفظ والسلامة في نفسه وبدنه وأهله وولده وماله من غير الله ويتوكل في ذلك على غير الله ويتوسل إلى ذلك بغير ما شرع الله.. فمنهم من يعلق تميمة، ومنهم يقصد السحرة والكهان ليصنعوا له تعويذة…الخ.

فيا أيها الإنسان من حفظك وأنت مجرد نطفة، ومن حفظك وأنت علقة، ومن حفظك وأنت مضغة، ومن صورك، ومن نفخ فيك الروح، ومن حفظك شهورا في رحم أمك؟ ومن يسر لك الخروج منه وحفظك أثناء ذلك، ومن حفظك وأنت رضيع، ومن حفظك وأنت طفل صغير…؟؟؟

آلآن تطلب الحفظ من غيره.. فتذكر وتفكر: قتل الانسان ما أكفره من أي شيء خلقه.

فالحاصل: أن العبد إذا داوم على التفكر في أصل خلقه؛ سيحسن الظن بربه الكريم ويتوكل عليه في كل أمر من أموره…

3 – التواضع وعدم التكبر والتفاخر:

الكبر والخيلاء والتفاخر آفات ابتلي بها كثير من العباد…

فمنهم من يتكبر ويتفاخر بماله إذا كان ممن بسط الله له في الرزق، فتراه يستعلي ويترفع على الفقراء وعلى من هو أقل منه مالا، ويأنف من مجالستهم ومخالطتهم ويحتقرهم.. كما كان شأن قارون: الذي بغى وتكبر على قومه من بني إسرائيل لما وسع الله عليه، قال ابن عباس : ” كان ابن عم موسى “، وهو قول أكثر أهل العلم”. (تفسير القرآن العظيم، 6/99).

قال تعالى في شأنه: إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين(القصص: 76-77)، لكنه لم يستمع لنصحهم لتكبره واستعلائه، فكان جوابه: قال إنما أوتيته على علم عندي.

قال الله  معقبا: أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثرُ جمعا، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لم آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون(القصص: 78-80).

فكانت عاقبته لما تكبر على الله وعلى عباد الله أن خسف الله به وبماله الأرض، قال تعالى: فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين(القصص: 81).

وكما كان شأن صاحب الجنتين: الذي تكبر على صاحبه وتفاخر عليه بماله، كما قال الله تعالى: واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا وكان له ثُمُر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن  خيرا منهما منقلبا(لكهف: 33-36).

فنصحه وذكره صاحبه المؤمن: قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يوتيني خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع لها طلبا.

فكانت عاقبته: وأحيط بثُمُره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخيرٌ عُقُبا(الكهف: 32-44).

ومنهم من يتكبر بعلمه، فتراه حين يتكلم يستعمل غريب اللغة ووحشيها ليماري به السفهاء أو ليكاثر ويباهي به العلماء..

ففي الحديث عن النبي : «من طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف وجوه الناس فله من علمه النار» (اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي، ص65).

وقال عن الذي يتصنع ويتكلف في الكلام تكبرا وتفاخرا: «إن الله يبغض البليغ من الرجال؛ الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة» (صحيح رياض الصالحين،رقم 576).

ومنهم من يتكبر بمنصبه وجاهه، ومنهم من يتكبر بنسبه وأجداده…إلخ

والحقيقة أنه ما تكبر من تكبر إلا جهلا وغفلة.. ولا دواء لدائه إلا أن ينظر مم خُلق كما أمر ربه وخالقه… فإنه إذا نظر وتفكر يدرك أنه لا يحق له أن يتكبر.

إنه إنسان مثل باقي الناس، خُلق مما خلقوا منه جميعا: من تراب وماء مهين أم تراه خُلق من شيء آخر: من ذهب مثلا أو زبرجد، أو خُلق من ماء زمزم؟ وأنه خرج كما هو شأن جميع الناس من مخرج البول مرتين.. أم تراه هو خرج من مخرج آخر؟.

يُذكر أن المهلب بن أبي صفرة كان صاحب جيش الحجاج، فمر على مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو يتبختر في حلة خز، فقال له مطرف: يا عبد الله هذه مشية يبغضها الله ورسوله، فقال المهلب: أما تعرفني؟ قال: بلى، أعرفك: أولك نطفة قذرة، وآخرك جيفة منتنة، وتحمل بين ذلك عذرة. فترك المهلب مشيته تلك. وأنشد في المعنى محمد بن الوراق:

عجبتُ من معجب بصورته

وكان بالأمس نطفة مـذره

وفي غدٍ بعد حسن هيئته

يصير في اللحد جيفة قذرة

وهو على تيهه ونخـــــوته

ما بين ثوبيه يحمل العذرة.(تنبيه الغافين، 131).

فما أحوج الإنسان أن ينظر مم خلق حتى يعالج نفسه ويدفع عنها آفة الكبر والخيلاء والفخر… فالكبر والخيلاء مذمومان..

قال تعالى: ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها(الإسراء: 37-38).

وقال : ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير(لقمان: 18-19). أي: “لا تتكبر فتحتقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك إذا كلموك” (تفسير القرآن العظيم، 6/150)، ولا تمش مرحا مشية المتكبرين المتبخترين المختالين الفخورين المعجبين بأنفسهم.ـ ففي الحديث المتفق عليه أن رسول الله  قال: «بينما رجل يمشي في حُلَةٍ تُعجبه نفسُه، مرجل رأسه، يختال في مشيته؛ إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» (رياض الصالحين، رقم 567).

فلا يحق للإنسان أن يتكبر ويتفاخر على إخوانه وهم كلهم من أصل واحد: من تراب ومن ماء مهين.

أما المال والجاه والمنصب ونحو ذلك مما يتكبر به الجهال الغافلون فإنما هي أعراض من أعراض الدنيا يقسمها الخالق الرزاق سبحانه بين العباد وفق حكمته وتقديره فيوسع لمن يشاء، ويقدر ويضيق على من يشاء..

ولا يرتفع قدر الإنسان عند الله بمال ولا منصب ولا جاه ولا جنس ولا لون.. إنما يرتفع قدره بالتقوى. قال تعالى: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير(الحجرات: 13).

قال بعض الحكماء: “افتخار العبد المؤمن بربه، وعزه بدينه. وافتخار المنافق بحسبه، وعزه بماله” (تنبيه الغافين، 131).

فلينظر الإنسان مم خلق وليتواضع لربه ولإخوانه، فمن تواضع لله تعالى رفعه.

ذ. عبد القادر دغوتي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *