معالم النهوض الحضاري بين الأصل والعصر (2)  


 أزمة النهوض الحضاري وعواملها

 

 الأزمة الفكرية:

بداية تقع الأزمة في عوامل بناء النهوض الحضاري الأزمة الفكرية عميقة ذلك أن الأمة تترنح بين ثلاث تيارات: تيار الغلاة، وتيار الجفاة، وتيار الغزاة. وهذا ما عبر عنه الحديث النبوي: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”

الغلاة:الذين بدؤا بالتكفير وانتهوا بالتفجير، كفروا ثم فجروا، هؤلاء الذين تعاملوا مع النصوص بظاهرية غفلت عن روح المقاصد، وبحرفية جمدت عن تحصيل المقصود، ولم يتلقوا هذا العلم عن الربانيين الراسخين في العلم رسوخا يزاوج بين العلم والعمل، والفقه للنصوص الجزئية مع مقاصدها الكلية، والوعي بواقع العصر وترتيب الأولويات والنظر في الذرائع والمآلات، هؤلاء وقعوا في هذه الظاهرية القاتلة التي وقع على مثلها الخوارج حينما قالوا: “حكم الرجال في دين الله، والله تعالى يقول: إن الحكم إلا لله. قال علي : “كلمة حق أريد بها باطل” ثم بعث ابن عباس ليقيم الحجة عليهم من خلال الجدال والبرهان، وهؤلاء اليوم شيخهم وإمامهم وابن بجدتهم علما وتجربة هو الشيخ كوكل عليه رحمة الله، لذلك وقع هذا الاختلال في قضية منهج الغلاة، لاسيما وأن الواقع المحبط لأمتنا جعلهم يقفزون فوق المراحل قفزا لا يراعون فيه المآلات التي تترتب عن هذا السلوك الذي سلكوه والذي أفضى بالأمة إلى شر مستطير، أكل الأخضر واليابس، وذهب بكل هذه المقاصد الكبرى التي تتغياها الأمة في حياتها.

عجوز تمنت أن تكـــون صبية

وقد يبس الجنبان واحدودب الدهر

تروح إلى العطار تبغي شبابها

وهل يصلح العطار ما أفسد الدهـر

يقابل هؤلاء الغلاة الجفاة:إذا كان الأولون سلكوا مسلكا ظاهريا غفل عن روح المقاصد فإن هؤلاء يريدون أن يُسقطوا الثوابت، ويضعفوا المحكمات، وينسفوا المسلمات، يريدون الإسلام عقيدة بلا شريعة، دعوى بلا دولة، دينا بلا دنيا، حقا بلا قوة جهادا بلا قتال، رحمة بلا عزة، حوارا بلا ندية، تسامحا بلا تكافؤ، يريدون أن يجعلوا القرآن عضين، وأن يقبلوا الإسلام أجزاء تفاريق، فقابل هؤلاء أولئك، وكلاهما يغذي الآخر، فإن التطرف الديني والتطرف اللاديني كلاهما يغذي الآخر وهما وجهان لعملة واحدة،

وبالمناسبة فكلمة التطرف لا تعني الغلو؛ التطرف يعني الوقوف عند طرف، فكل غلو يعتبر تطرفا، وليس كل تطرف يعتبر غلوا؛ لأن التطرف قد يكون تطرف إفراط وقد يكون تطرف تفريط، وقد يكون تطرف طغيان وقد يكون تطرف إخسار، قد يكون تطرف وكس وقد يكون تطرف شطط، والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان، فالميزان وسطية العدل بين الطغيان إذا زاد عن حده وبين الإخسار إذا نقص عن مقامه، وكلاهما يعتبر تطرفا، ولذلك لن نكون وسطيين إذا تحدثنا عن لون واحد من ألوان التطرف، وإذا تحدثنا عن تطرف التكفير الذي ينتهي بالتفجير، وصرفنا النظر عن تطرف التخدير الذي ينتهي بالتدمير، لن نكون وسطيين إلا إذا تناولنا التطرف بشقيه وببعديه كذلك.

وأما الغزاة:فهم الذين يريدون أن يفرضوا على الأمة حضارة كونية مركزية لا تعترف لأمتنا بحق الوجود، ولا بحق الخصوصية الثقافية، ولا بحق الهوية الحضارية، هم يؤمنون بالتعددية الدينية والثقافية والفكرية لمجتمعاتهم، ولكنهم يريدون أن يشكلوا واقع مجتمعنا الإسلامي؛ إن كان في عالم السياسة عبر النظام الرأسمالي، وإن كان في عالم الاقتصاد عبر اقتصاديات السوق الحر، وإن كان في عالم الاجتماع والثقافة عبر أدوات العولمة بأشكالها، حتى في مجال الأذواق والفنون والرياضة كل ذلك يريدون أن يشكلوا من خلاله رؤية كونية لا تعترف للآخرين بحق الخصوصية. فأمتنا تضيع اليوم بين غلاة وجفاة وغزاة، أو بعبارة أخرى بين تيار الانتحار أو الاشتجار الذي لا يعيش إلا في جو الخلاف، ويجعل من الحصاة جبلا، ومن الحبة قبة، وبين تيار الانبهار الذي يقع في الاستلاب والتبعية والتغريب، أو بين تيار الاجترار الذي يجتر الماضي ويستدعي معارك التاريخ التي لم نكن جزءا منها، ولم نكن شهودا عليها، ونحن أبناء اليوم ولسنا أبناء الماضي، فالماضي نأخذ منه عبرته، ومن خلال عبرته نعايش الحاضر ونستشرف من خلاله المستقبل.

إذن هذه الأزمة الفكرية نحاول أن نُخرج من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، وهو الدعوة إلى إحياء فكر التوازن والاعتدال، ولكن لأن كلمة الوسطية كلمة يجعلها بعض الناس هُلَامية رَجْرَاجة مطّاطة يفسرها كل بما يريد.نقول بأن الوسطية تعود في أصل جذرها اللغوي إلى ثلاث معان:

المعنى الأول: تعود إلى معنى الخيرية، “كان رسول الله  وسلم أوسط العرب نسبا”.

والمعنى الثاني: تعود إلى معنى العدل «قال أوسطهم» أي أعدلهم. (هم وسط يرضى الأنام بحكمهم) أي هم عدول. وكذلك جعلناكم أمة وسطا؛ أي كما قال البخاري عدولا خيارا.

والمعنى الثالث: هو التوازن المحمود الذي يعصم الفرد بين أن يكون فريسة بين طرفي الإفراط والتفريط أو الطغيان والإخسار أو الغلو والتقصير، والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزانوالذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها، “يا أبا بكر ارفع صوتك شيئا”،”يا عمر اخفض من صوتك شيئا”.

وبالتالي هذه الوسطية ليست وسطية ساجنة أنهار هينة المحبسين، الجمود على القديم أو العبودية للجديد، وليست داجنة مدجنة بفعل الضغط الحضاري، وليست ماجنة تتلون بتلون الأهواء، وإنما هي وسطية تقدم الإسلام منهجا هاديا للزمان والمكان والإنسان، موصولا بالواقع، مشروحا بلغة العصر، وهذا ضابط مهم في عوامل البناء الحضاري؛ أن نخاطب العصر بلغته وزمانه: “حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله”، واللسان ليس مجرد اللغة، أن تخاطب العربي بعربيته، اللسان أعم من ذلك، فلسان المثقف ليس كلسان العامي، ولسان رجل البادية ليس كلسان الحضري، لسان المؤمن الذي تحتج له بدليل من الكتاب والسنة فيقبله ليس كلسان غير المؤمن. فكل له لسانه. وبعض الناس يريدون أن يخاطبوا العصر بلسان عفا عليه الزمان من حيث اللغة والمصطلح. نريد كذلك أن نستهدي بمخاطبة الناس بما تدركه عقولهم وتتسع له آفاقهم، إن علي ابن الجهم لما أراد أن يمدح المتوكل كان يعيش في البادية، فما عرف أن يحسن اللغة التي يخاطب بها الملك حين أراد أن يمدحه فقال:

أنت كالكلب في حفاظك للود

وكالتيس في قراع الخطوب

قالوا له إنك ذممت ولم تمدح وأسأت ولم تحسن، فأراد الوزراء أن يبطحوه أرضا وأن يوجعوه ضربا. فقال الملك وكان أريبا حكيما فطنا عاقلا: دعوه إنما تكلم بلسان حال بيئته، ابعثوا به إلى الرُّصافة، فعاش بين البساتين الفيحاء، والرياض النضرة، والوجوه الحسان، والمياه الجارية، ليأتي بعد عام ويقول:

عيون المها بين الرصافة والجسر

جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري

إذن الوسطية أن نقدم الإسلام منهجا هاديا للزمان والمكان والإنسان، موصولا بالواقع، مشروحا بلغة العصر، جامعا بين النقل الصحيح والعقل الصريح، مستلهما للماضي، معايشا للحاضر، ومستشرفا للمستقبل ينفتح على الحضارات دون أن يذوب، يراعي الخصوصية دون أن ينغلق، ينتفع بكل قديم صالح ويرحب بكل جديد نافع، يلتمس الحكمة من أي وعاء خرجت، يعمل على تحرير المشترك الإنساني والديني والحضاري، يرتبط بالأصل ويتصل بالعصر، ومن الناس من اتصل بالعصر وانكفأ به عن الأصل، والوسطية الموضوعية الموازنة بين ارتباط الأصل واتصال العصر.

الموقف من التراث:

ومن عوامل النهوض كذلك بعد تحرير أزمة الفكر وضبط المفاهيم والمصطلحات هي الموقف من التراث، وحينما نتحدث عن التراث نخرج الوحي المعصوم وحي الكتاب المتعبد بتلاوته ووحي بيان هذا الكتاب، وإنما نتحدث عن جهود أسلافنا، هذا الميراث الذي خلفه علماؤنا.

من دلالة مفهوم السلف:

ولابد أولا أن أقف عند مدلول كلمة السلف الصالح الذين ندعو جميعا إلى التأسي بهم.

كلمة السلف: ما مضى وتقدمك في الزمان، وأصبح هذا المفهوم مصطلحا أو علما على أهل القرون الفاضلة المشهود لها بالخير والإيمان. والسؤال هنا كيف نتأسى في عملية البناء الحضاري بالسلف الصالح؟ هل نتأسى بهم في جزئيات أقوالهم وفرعيات ألفاظهم؟ أم نتأسى بهم في مجموع منهجهم؟ التأسي بهم في مجموع المنهج، في كلياته وثوابته وقطعياته ومحكماته. ومن خصائص منهجهم أنهم كانوا يبنون على ما ينبني عليه عمل لا ما ينبني عليه جدل، وبعض الناس يحملون الانتماء إلى السلف الصالح على ما ينبني عليه جدل، والإمام مالك قال قاعدة جعلها الإمام الشاطبي في مقدماته العشرة: “كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما نهينا عنه شرعا”.

ثم إن السلف الصالح عاشوا عصرهم وزمانهم، ومقتضى التأسي بهم أن نعيش عصرنا وزماننا، وأن نقدم أجوبتنا لتحديات زماننا كما قدم السلف أجوبتهم لتحديات زمانهم، لا أن نردد ذات الأقوال، وأن نعلم أن السلف الصالح ليست رؤيته واحدة في الجزئيات، وليس قولا واحدا في الفرعيات، هم مدرسة واسعة اتسعت لرخص ابن عباس، وعزائم ابن عمر وأثرية ابن حنبل، وفقه أبي حنيفة، واجتهاد ابن المسيب، وظاهرية ابن حزم، ومقاصدية الشاطبي، ورقائق الجنيد، وفلسفة أبي حامد الغزالي، واجتهاد ابن القيم، وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الدِّيَم. كلهم من هذا نأخذ وندع دون أن نعتقد عصمة لآحادهم. فالعصمة للأمة في مجموعها، والنبي  له عصمتان: عصمة هداية وعصمة حماية، عصمة الحماية: والله يعصمك من الناس، إنا كفيناك المستهزئين، إن شانئك هو الأبتر؛ وعصمة الهداية: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

إذن موقفنا من التراث ليس مع الذين يقولون ليس بالإمكان أبدع مما كان، وما ترك الأول للآخر شيئا؛ وإنما نقول: كم ترك الأول للآخر، يقول العلامة ابن عبد البر في كتابه “جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله”: “ليس أضر على العلم من قولهم ما ترك الأول للآخر، بل الصواب عندنا كم ترك الأول للآخر”، والدليل: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، ولذلك قال ابن مالك في أول كتاب التسهيل في النحو كلمة تكتب بماء الذهب: “وإذا كانت العلوم منحا إلهية ومواهب اختصاصية فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين، نعوذ بالله من حسد يسد باب الإنصاف، ويصد عن جميل الأوصاف”. هذا الموقف الأول: الذين يقولون ليس بالإمكان أبدع مما كان، بل الصواب بالإمكان أبدع مما كان؛ وبين الذين يريدون أن يقيموا قطيعة مع الموروث الحضاري لأمتنا، ونحن نقول لهؤلاء وأولئك: الأمة أمة تراكمية يبني اللاحق على جهد السابق، ويقدم من بعد ذلك كسبه وإبداعه وإضافته، فلا استنامة على القديم ولا قطيعة معه، لا تقديس ولا تبخيس، بل تقدير واحترام لأفضل ما قدمه وأنتجه عقل أسلافنا الصالحين. ثم من بعد ذلك نقدم كسبنا وإبداعنا لتبني الأمة على جهود بعضها البعض، وبعبارة أخرى نقول العلاقة مع هذا التراث التخير والانتقاء بعد التحصيل والارتواء، نتخير وننتقي أطايبه بعد أن نَعُبّ منه وأن نستحصل ما ورد من معان ومفردات جميلة اجتهد فيها علماؤنا. ويكفي أن محمد بن الحسن وأبا يوسف من أصحاب أبي حنيفة خالفا أبا حنيفة في ثلث المذهب في فترة زمنية وجيزة، وقالا: لو رأى إمامنا ما رأينا لغير رأيه، وهو ما يعبر عنه فقهاء الحنفية إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان، فكيف بهذه الآماد المتواصلة في هذا الزمان. من هنا كان لابد من أن ندرك أن العلاقة مع هذا الموروث تقع بين هذه الرؤية المتواصلة المعتدلة المتوازنة دون قطيعة ودون استنامة إليه.

داء التعصب المقيت:

الأمر الآخر هو من المعيقات لمسألة البناء الحضاري، وهو الوقوع في داء التعصب، إن كان تعصبا فقهيا، مذهبيا، طائفيا، فكريا، حركيا،دعويا، أيا كان صور هذا التعصب. إن الانتفاع بمن تتلقى عنه العلم وتتربى عنه في المدارس الروحية أو غير ذلك لا يجعله مصدر حق مطلق. وقد وقع جيل من الشباب في هذا الداء المقيت؛ التعصب تجاه الأفكار، وتجاه الرؤى، وتجاه الاجتهادات، تعصبا ينعقد عليه الولاء والبراء. نحن كما قال إمام دار الهجرة: “ما منا إلا راد أو مردود عليه”، وكما قال الشافعي: “اجتهادنا صواب يحتمل الخطأ، واجتهاد غيرنا خطأ يحتمل الصواب”. هذا الفكر بمادته وبعطائه في كل البلاد ترك ميراثا عظيما، لكن نأخذ منه وندع، ونتحلى بداء الإنصاف في أن ننتفع بمن نخالفهم. ولذلك فنحن نخالف الحضارة الغربية في أشياء ولكن ننتفع بما عندها من أشياء، والأمير شالس ولي عهد بريطانيا أنصف الحضارة الإسلامية أيما إنصاف في محاضرته الشهيرة التي قدمها في أكسفورد، وبالتالي فنحن وجدنا في تاريخنا هذا العطاء، وهذا الموقف الذي يساعد على عوامل بناء الحضارة.

فالإمام علي رضي الله عنه حينما سئل عن الخوارج -رغم انحرافهم وضلالهم-: أكفار هم؟ قال: “من الكفر فروا”، أمن المنافقين؟ قال: “إن المنافقين لا يذكرون إلا قليلا”، ما شأنهم؟ قال: “إخواننا بغوا علينا”، وخرج لهم أصحاب الصحيح في الصحيح، وهذا من تمام العدل والإنصاف.

والإمام الزمخشري على اعتزاليته كان إماما لا يشق له غبار في باب الإعجاز البياني اللغوي، وكتاب الكشاف، وكتاب المفصل في علوم العربية، وكتاب أساس البلاغة، وكتاب الفائق في غريب الحديث والأثر يدل على علو كعبه ورسوخ قدمه، وهو القائل عن كتابه الكشاف:

إن التفاسير في الدنيا بلا عــــــــدد

وليـــس فيها لعمري مثل كشافـي

إن كنت تبغ الهـــدى فالزم قراءته

فالجهل كالداء والكشاف كالشافي

وكان من اعتزازه باعتزاليته أنه إذا طرق باب أحدهم، وجاءه صبي صغير قال: خَبِّرْ أباك أن أبا القاسم المعتزلي بالباب. ومع ذلك فكثير من علماء السنة الذين كتبوا في التفسير استبطنوا كتابه الكشاف، وجاء ابن المنيرة الإسكندراني فانتفع به وعلق على اعتزالياته، لكنهم انتفعوا بهذا الكتاب أيما انتفاع. فالإنصاف هو الذي يسهم في بناء الحضارة. أن تأخذ النافع من كل حضارة، من كل ثقافة، من كل بيئة. وميزة حضارتنا الإسلامية أنه لم يوجد فيها مركز واحد، فقد تعددت مراكز الحضارة في الأمة الإسلامية: المدينة المنورة، والشام، وبغداد، والكوفة، وفاس، والقيروان، وخرسان، وقرطبة، وغرناطة، وطليطلة، وتمبوكتو؛ تنوعت هذه العطاءات الحضارية في العواصم ومراكز صناعة الحضارة، وكذلك في البشر الذين سادوا هذه الحضارة. لم تكن هناك قيادة واحدة، كان العرب وكان الحبش وكان الفرس، وكان الهند، وكان الترك، وكان الماغول؛ وكل هؤلاء ساهموا في قيادة هذه الأمة. ولذلك، لابد أن ننفتح هذا الانفتاح الواعي الذي يفرق بين أهواء العصر وبين مقتضيات العصر، فيأخذ النافع المفيد، فلا عبودية لجديد، ولا عبودية لقديم؛ فالعبرة ليست بالقدم ولا بالجدة، وإنما العبرة بما كان صالحا في نفسه فينبغي أن نعقد عليه الخناصر وأن نشد عليه الوثاق. وهذا ما ينبغي أن يكون حاضرا في علمنا.

الفصل بين العلم الديني والعلم المدني:

النقطة الأخيرة، وهي إحدى مشكلات الأمة في البناء الحضاري أنه وقع الفصل البائن بين ما سمي بالعلم الديني والعلم المدني. وما كان المسلمون من قبل يعرفون هذا الفصل البائن، والغرب نتيجة الصراع الذي وقع مع الكنيسة صوروا لنا في عالمنا الإسلامي أن رجل الدين هو الذي يرتدي جلبابا ويكور على رأسه عمامة ويسدل ذؤابته بين كتفيه ويحمل العصا، ويحفظ الحواشي والمتون، ولا شأن له بالدنيا ولا شأن له بإعمار الحياة. أما الأفندي الذي يربط بنطالا على عنقه، فهو الأفندي الذي يعرف علوم الكون والحياة، ولكنه لا يتصل بالدين.

والله تعالى ذكرنا في آيات؛ ذكر علم النبات، وعلم الجماد، وعلم الأحياء، ثم قال: إنما يخشى الله من عباده العلماء، فالخشية لا تنحصر في من درس علوم الشريعة، كل علم تنتفع به الأمة في دينها ودنياها وأخراها ويسخر لمنفعتها ومصلحتها فهو علم صحيح. ولذلك فابن رشد الفيلسوف هو الذي رد على الفلاسفة، وهو الذي ألف كتاب الكليات في الطب واعتمدت عليه أوربا لعدة قرون من الزمان، وهو صاحب كتاب بداية المجتهد ونهاية المقتصد في الفقه المقارن. ما عرفوا هذا الفصل بين هذه العلوم، كنا حينما ندرس الفيزياء والكيمياء والإحياء، لا نربطها بقضايا الإعجاز العلمي في القرآن، تربط بمعزل عنها. وحصة التربية الإسلامية تأتي دائما في مؤخرة الدوام حينما يكل الذهن، ولا تربط إلا بقضايا جدليات العقيدة، ولا شأن لها بعلوم الكون والحياة والعلوم النفسية والاجتماعية، وغير ذلك.

لا بد أن تعود مصادر المعرفة، وأن يعود العلم التوحيدي بكل شعبه ومدارسه في تناغم وتكامل وتآزر وتناصر وتعاضد لتنهض الأمة في جميع شعب الحياة. فنحن نشهد اليوم الجمود في العلم الشرعي، كما نشهد التخلف كذلك في علوم الكون والحياة. ولا نهضة نستأنف بها مسيرة الشهود الحضاري التي قبل أن نقيمها على الناس علينا أن نقيمها على أنفسنا، وإن لم نقمها على أنفسنا لم نستطع أن نقدم النموذج الذي يجسد لنا تمثلات هذا البناء الحضاري.

النظرة القاصرة للدنيا:

إن نظرتنا أيضا للدنيا، نظرة فيها كثير من التخلف؛ لأن بعض الناس شاع عندهم أن الدنيا جاءت لتعبر لا لتعمر، وجاءت لتهدم لا لتبنى، مع أن الدنيا: ما هي؟ الدنيا ما ذمت في القرآن إلا لسببين أو لأحدهما: إذا ألهت عن ذكر الله  أو توصل الإنسان إليها بالحرام الممنوع دون الحلال المشروع، وإلا فهذه أرض الله التي نمشي عليها ونأكل من رزقه ونتأمل فيها بديع صنعه، ونحن أمرنا بأن نعمرها: هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها، لنجعل من العالم التسخيري إلى عالم التعميري، إلى عالم التثمير.

وحتى مفهوم الزهد الذي ذكره علماء الحقائق والرقائق أسأنا مفهومه، فالزهد ليس هو الزهد في الطيبات ولا فيما أباح الله تعالى، إنما الزهد “ألا يغلب الحلال شكرك ولا الحرام صبرك”، “إذا اغتنيت فاشكر وإذا افتقرت فاصبر”. الزهد أن “يكون ما في يد الله أوثق منك مما في يديك”، هذا هو معنى الزهد. ولكن بعض الناس زهده زهد الثعلب، لا يجد الشيء ثم يقول أنا زاهد فيه، هذا ليس بزهد صحيح، الثعلب الذي وجد عنقودا من العنب فاحتال إليه بكل سبيل، فلما أعيته الحيلة رفع يديه، وقال اللهم لا تجعل لنا نصيبا في الحرام.

يقول الله تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة. (إن الرجل يحب أن يكون ثوبه جميلا ونعله حسنا، أمن الكبر هو؟ قال رسول الله : «الكبر بطر الحق وغمط الناس»)، وحتى حديث: اللهم احشرني في زمرة المساكين، أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، هذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، وعلى فرض حسنه بتتبع طرقه وأسانيده فالمقصود بالمساكين هنا التواضع، أي اجعلني من المتواضعين.

أيها الأحباب، إن البناء الحضاري الذي ننشده هو العقيدة الموافقة للفطرة، العبادة الدافعة للعمارة، والعقل المهتدي بالوحي، والعلم المرتبط بالإيمان، والإيمان المقترن بالعمل، والعمل الملتزم بالدعوة، والأخلاق المترقية بالإنسان، والجسد الممدود بالروح، والأسرة التي تصون الفرد، والمال المكتسب من حل والمنفق في حق، والقوة المقترنة بالحق، والتشريع المحقق للمصلحة، والآداب التي تُجَمِّل الحياة، والفن الملتزم بالقيم، والخير المتوشح بالجمال.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الدكتور عصام البشير

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *