لآلئ وأصداف – في الحب الشريف،مرة أخرى


كان الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى إذا ضاقت به نفسه خرج إلى البرية. وقد قال يوما ولده كعب: “اخرج بنا إلى البرية، فإن الشعر بري”. وأنا، كلما ضاقت بي النفس التمست عزاءها، بعد كتاب الله عز وجل، فيما صنفه أسلافنا من رائق القول وبديع الكلام، ولاسيما منهم أصحاب الحس الإيماني الرقيق، والعلم الدقيق، والبيان الشفيف، والشعر اللطيف. وقد وجدت بعض الضيق في نفسي، ففتحت كتاب لسان الدين بن الخطيب: “روضة التعريف بالحب الشريف”، بتحقيق شيخنا الدكتور محمد الكتاني، وهو كتاب لا يمل منه، ويغني الظمآن إلى النور والحب مثلي عن كثير مما تقذف به المطابع في عصرنا هذا من سخيف القول، ورديء الكلام. وقد وقفت عند القسم الرابع من الكتاب، الذي سماه: “الفرع الصاعد في الهواء على خط الاستواء”، والذي يشتمل على قشر لطيف، وجرم شريف، وأفنان ذوات ألوان، قنوان وغير قنوان، وطبع نضيد وجني سعيد. فكان مما قال في الفصل الأول، في ذكر مقام المعرفة: “فصول في المعرفة تغازل بها عيون الإشارة، إذا قصرت عن تمام المعنى ألسن العبارة، ولله در القائل:

وإذا العقول تقاصرت عن مدرك

لم تتكل إلا على أذواقهــــا

المعرفة اختراق المراتب الحسية، والنفوس الجنسية، والعقول القدسية، والبروز إلى فضاء الأزل، إذا فني من لم يكن، وبقي من لم يزل، مع عمران المراتب، ورؤية الجائز في الواجب:

ومن عجب أنـي أحــــنّ إليــهــــمُ

وأسأل شوقـــــا عنهــم وهـــم معي

وتبكيهمُ عيني وهــم في سوادهـــا

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي”.

وعند هذا الحد توقفت عن متابعة التعريف بالمعرفة، فقد حملني البيتان إلى مرحلة فاصلة بين الصبا والشباب، حيث كان والدي رحمه الله ينشد هذين البيتين ضمن قصيدة يتغنى بها، وقد حفظتها منه، وفتحت لي أفقا جديدا في ميدان الشعر، وشكّلت، على غير وعي مني، الخط العام الذي طبع شعري كله بعد ذلك. وهذه أبيات منها:

تملكتم عقلــــي وطرفـي ومسمعـــي

وروحي وأحشائي وكلي بأجمعــي

وتيتموني في بديع جمالـــــــــــكم

فلم أدر في بحر الهوى أين موضـعــي

وأوصيتموني لا أبــــوح بسركـــم

فبــاح بما أخفي تـــفــيُّضُ أدمعـــي

فلما فنى صبـــــــري وقل تجلدي

وفارقني نومي وحرمت مضجعـــي

أتيت لقاضي الحب قلت أحبتــــي

جفوني وقالـــــــوا أنت في الحب مدعِ

وعندي شهود بالصبــابة والأسى

يزكّون دعوائِي اذا جئت أدعــــــي

سهادي وشوقي واكتئابي ولوعتي

ووجدي وسقمي واصفراري وأدمعي

ومن عجب أنــي أحـــــن اليهـــم

وأسأل شوقـــــــا عنهم وهم معــي

وتبكيهـــــــــمُ عيني وهم في سوادهـــا

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي

وإن طالبـــــوني في حقــــوقِ هــواهُــمُ

فإنــي فـقيـرٌ لا عليَّ ولا معي

ولم أكن أول أمري أعرف لمن القصيدة، ولا حتى أهتمّ بمعرفة ذلك. ثم إني عرفت واستقر في ذهني في مرحلة الدراسة الثانوية أن القصيدة لشاعر المغرب في العصر المريني مالك بن المرحل. فازددت اعتزازا بأن لنا بالمغرب شاعرا كمالك بن المرحل، وازددت اعتزازا يوم أن قرأت له أشعارا أخرى تصور نجدة المغاربة للأندلسيين، تلبية لنداء الجهاد المقدس، حيث قال، من قصيدة:

شهد الإله وأنت يا أرض اشهدي

أنا أجبنا صرخة المستنجد

لما دعا الــداعــي وردد معلنــــا

قمنـــا لنصرتــه ولم نتردد

وعندما قرأت البيتين من القصيدة العينية، انتقل بصري إلى الهامش، من ص 353 من الكتاب، وقد وجدت المحقق، حفظه الله، يقول: “الشعر لمهيار الديلمي (428 هــ)، أسلم على يد الشريف الرضي، وكان متشيعا”. وليس الدكتور الكتاني ممن يتهم في التحقيق، وهو العالم الجهبذ، والمحقق المدقق، ولكن هذه الإشارة، التي زحزحت علما ترسخ في نفسي منذ شرخ الشباب، واستقر في قلبي أن هذا الشعر هو لشاعر مغربي، وطالما حاججت بعض المشارقة بذلك، كل ذلك دفعني إلى محاولة التحقق من نسبة القصيدة، فإذ بي أجد أن هذه القصيدة التي نسبت عندنا، نحن المغاربة، إلى مالك بن المرحل، تنسب أيضا إلى شاعر صوفي آخر، سبق لنا أن عرضنا له من قبل في حلقة ماضية، وهو أبو مدين الغوث. وهكذا تنازع الرواة في شأن هذه القصيدة المدحية فنسبت إلى ثلاثة شعراء، اثنان مغربيان، والثالث مشرقي، وهو مهيار الديلمي.

إن ترجيح قول على قول في هذه المسألة يحتاج منا إلى مزيد من التدقيق والتحقيق، وعرض دواوين الشعراء الثلاثة، والنظر فيما قال المحققون والدارسون، وهو أمر لا أريد أن أثقل به على قراء الجريدة، فليس من شأن الجريدة أن تشغل الناس بمثل هذا، وحسبنا أخذ العبرة، والتماس التوجيه إلى الهدي الرشيد، والمعرفة طريق إلى ذلك الهدي الموصل إلى الكمال الذي يتجلى عنده الجمال. ولنختم بما قال ابن الخطيب عن المعرفة: (المعرفة مقام سامي المنعرج، عاطر الأرج، ينقل إلى السعة من الحرج، ومن الشدة إلى الفرج)، والحمد لله رب العالمين.

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *