قبسات فكرية – بين التربية الإسلامية والفلسفة  


أثيرت في غضون السنة الدراسية الجارية، خصوصا في أوساط مدرسي مادة الفلسفة في الثانوي، ضجة كبرى تحمل عنوان الاتهام للتربية الإسلامية بالانتقاص من شأن الفلسفة، بل وبإعلان الحرب عليها، بسبب تضمن اثنين من الكتب المقررة لتلامذة الأولى والثانية ثانوي تأهيلي، لآراء تذم فعل التفلسف وتحذر من مغبته، باعتباره مطية للزيغ والضلال، وحجابا عن رؤية الحق، وإبصار محاسن الشريعة، وما إلى ذلك مما ورد ضمن نص يمثل موقف صريحا لأحد علماء المسلمين وفقهائهم من المنطق والفلسفة.

لقد ثارت ثائرة العديد من أساتذة الفلسفة، ممثلين بجمعيتهم الوطنية ذات الفروع المتعددة عبر التراب الوطني، ونفثوا شكاواهم، وعبروا عن احتجاجهم القوي والعارم ضد ما اعتبروه مساسا صارخا بقداسة الفلسفة، واجتراء على حماها وهيبتها، وطالبوا المسؤولين عن الشأن التربوي بإعدام الكتابين اللذين تحملا كبر ذلك المساس والاجتراء، وأصدروا حكمهم العام والجازم على مادة التربية الإسلامية وتدريسها بكونهما سبيلا لإنتاج المتطرفين والظلاميين، وللحيلولة دون بناء العقول القادرة على ممارسة الفكر النقدي الحر، وعلى الوصول إلى الحقائق، وما إلى ذلك مما يعتبر من مزايا الفكر الفلسفي.

ولو أن أساتذة الفلسفة قصروا قضيتهم في مناقشة ما اعتبروه خطأ في حق الفلسفة باعتبارها منهجا في التفكير والحجاج والاستدلال وإنتاج الأفكار والوصول إلى الحقائق، من خلال حوار فلسفي هادئ رصين يكشف عن مواطن الخطأ، ويضع الأصبع على تهافت موقف صاحب الرأي موضع الخلاف، لكان ذلك أسلوبا حضاريا لا جدال فيه، ولا اعتراض عليه، ولكن الذي وقع بدلا من ذلك، للأسف الشديد، هو رد فعل عنيف، منفلت من كل قيد من قيود التعقل والاتزان التي تفترض فيمن يزعمون لأنفسهم الانتساب إلى زمرة المتفلسفين، أي المحبين للحكمة، بحسب التعريف الاشتقاقي للفظ “فلسفة” (philosophie). وقد تمثل رد الفعل ذاك، في صب من زعموا تمثيلهم لأساتذة الفلسفة -وهم ليسوا سواء- جام غضبهم على التربية الإسلامية في حد ذاتها، مما يدل على أن الأمر يتعلق بتحين فرصة سنحت، لتصفية حساب قديم، مع مادة عانت من صنوف الإقصاء والتهميش الشيء الكثير، داخل تضاريس منظومة التعليم، على مدى عقودها الحائرة المضطربة، وذلك من منطلق إيديولوجي صرف بالمعنى القدحي للإيديولوجية، يتخذ له جذورا تضرب في عمق صراع نكد، أفرزته تشكلات إيديولوجية نكدة في تاريخ الوطن الحديث والمعاصر، أنجبت شرائح وفئات، بل وحتى نخبا فكرية منبتة عن أصلها، متنكرة لتراث أمتها، ومحجوبة عن همومها الحقيقية، وغاياتها الحضارية السامية.

إن مما لا يجوز تجاهله ممن رفعوا عقيرتهم بالصراخ انتصافا لمادة الفلسفة المجني عليها في حيز ضئيل من مساحة شاسعة تمثل مجموع مقررات مادة التربية الإسلامية على مستوى المنظومة التعليمية المغربية، أنهم بإزاء مادة تمثل مفرداتها ومضامينها، في أغلب الأحوال، عرضا لحقائق وأحكام وتصورات معبرة عن رؤية القرآن والسنة للألوهية والكون والحياة والإنسان والمصير، وأن هذه الرؤية المتسمة بالربانية والثبات، والواقعية والإيجابية والشمول، تمثل أعظم إطار للتفلسف عاصم من الزيغ والضلال؛ لأنها تضع له حدودا وضوابط تميز بين فعل التفلسف المنتج، والتفلسف الذي يضرب في عماء، ولا يرجى منه نفع، ولا هو بكفيل أن يتمخض عن قطرة ماء.

ولسنا بحاجة إلى أن ندل الغيورين أو المتغايرين على مادة الفلسفة، ممن أقاموا لها مناحة لمجرد احتواء إحدى صفحات مادة التربية الإسلامية على رأي يسفه المنطق والفلسفة، لسنا بحاجة إلى أن ندلهم على طبقات عالية ممن أثروا حقول الفلسفة في القديم والحديث، من داخل الرؤية الإسلامية الرحبة الآفاق، العميقة الأغوار، فشيدوا صروحا غاية في المتانة والإحكام، وأقاموا أنساقا غاية في الجمال والانسجام، أين منها ما يعتز بتبنيه والاقتيات على فتاته هؤلاء المتباكون على أوضاع الفلسفة ومصيرها، من أشتات المذاهب وأنساق النظريات التي أُنشئت خارج إطار يعصمها من الزيغ والضلال، وهي على كل حال محترمة في بابها، ويمكن الاستفادة منها والتلاقح مع أفكار أصحابها، في إطار الاجتهاد الفلسفي المحكوم بثوابت وضوابط مرعية ومعلومة.

إن المفروض في أساتذة الفلسفة في المجتمع المغربي أن يكونوا أوفياء لثوابت ذلك المجتمع التي تصرح بها الوثائق والمواثيق الحاكمة للمنظومة التعليمية والتربوية فيه، وإلا شكلوا نشازا داخل تلك المنظومة المفروض فيها أن تحتكم إلى مبادئ الإسلام التي تمثل المرجعية العليا التي ينبغي أن يخضع لها وينزل عند أمرها ما دونها مما ذكر إلى جانبها من مبادئ وروافد ومرجعيات.

إنه لا أحد من العقلاء ينكر ما لتدريس الفلسفة كمادة ضمن المواد المقررة في منظومتنا التعليمية من منافع ومزايا في تشكيل العقول والشخصيات، ولكن ذلك مشروط بشرائط معينة، منها شرط الإحسان في اختيار مفرداتها ومضامينها، بحيث تكون مناسبة لمستوى التلاميذ، العقلي والنفسي، ومستجيبة لحاجاتهم، وكفيلة بالحفاظ على الانسجام الفكري والثقافي والتربوي الذي تروم المنظومة تحقيقه على مستوى بناء الأجيال. وصدق الله تعالى إذ يقول: آرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ(يوسف: 39).

د. عبد المجيد بنمسعود

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *