رمضان موسم الحصاد


كثيرا ما تصادف الإنسان في حياته فرص لو انتهزها وأحسن استغلالها، لهيأت له مستقبلا زاهرا وحياة سعيدة مريحة، وربما كانت هذه الفرص متعلقة بحياته الدنيوية الزائلة، أو بحياته الأخروية الباقية، ومن بين الفرص العظيمة التي لا تعوض والتي تقابل الإنسان المسلم في حياته: شهر رمضان، فهذا الشهر يعتبر فرصة سانحة للحصول لا على ربح وفير، وأجر كبير، فهو شهر تضاعف فيه الحسنات، وترفع فيه الدرجات، ويعتبر موسم الحصاد بالنسبة للمسلمين، فكما أن الفلاح له موسم الحصاد يجني فيه ثمار عمله وكده، والتاجر له موسم يتضاعف فيه ربحه، ويزاد فيه دخله، وطالب العلم له موسم يعمل فيه ويجتهد ليحصل في آخر السنة الدراسية على تقدير جيد ونجاح مستحق، كذلك يعتبر رمضان موسم الطاعات أو موسم الحصاد لكل مسلم، فهو فرصة سانحة للخطائين أن يغتسلوا من ذنوبهم، وللمطيعين أن يرتفعوا إلى أعلى الدرجات بطاعتهم، ولمن تلح عليهم الشهوات أن يحدوا من هيجانها بالصوم، ولمن يحبون أن يكون لهم رصيد من الحسنات وثقل في الميزان أن يعانقوا رمضان بتجديد التوبة والإيمان، وأن يفتحوا له قلوبهم، ليفتحوا به إلى الجنة أبوابا. فرمضان شهر مبارك كما أخبرنا عنه رسولنا ، فقد ورد أن رسول الله  كان يبشر أصحابه بقدوم رمضان ويقول: «قد جاءكم شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (أحمد).

إن الله تعالى قد خص شهر رمضان بمزيد من الفضل، وكثير من النعم، وفيض من النفحات الربانية، فهو فرصة ما بعدها فرصة، يجب على المسلم أن ينتهزها ولا يضيعها، لأن في تضييعها الويل والخسران مصداقا لقوله : «ويل لمن أدرك رمضان فلم يغفر له» (ابن حبان).

والصوم الحقيقي الذي يحقق المسلم به مغفرة الله تعالى ودرجات في الجنة، ليس إمساكا عن الطعام والشراب والشهوة فحسب، وإنما هو إمساك عن كل ما حرم الله من قول أو فعل، إمساك عن المعاصي، إمساك عما فيه إضرار بالناس أو إغضاب لله، إمساك عن التفكير فيما لا يرضي الله تعالى، فرب صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش؛ لأنه لم يصن نفسه أو جوارحه من اللغو والطيش قال : «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (البخاري)، وقال : «الصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» (البخاري).

الصيام سمو بالنفس، وعلو بالروح إلى مصاف الملائكة فهو طاعة لله، فالطاعات تنفع صاحبها، وتعود عليه بالخير، فكل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فقد اختصه الله تعالى لنفسه، ووعد الصائمين بأجر خاص يمنحه الله لهم، فطوبى لمن استحق منحة الكريم، وفضل الرحمن الرحيم، قال : «قال الله : كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي، وأنا أجزي به» (البخاري). فالصيام عبادة خاصة، لها جزاء خاص وهو سر بين العبد وربه عز وجل، لما في عبادة الصيام نفسها من سرية وبعد عن الرياء، فلا شيء يمنع المسلم الصائم من الطعام والشراب وسائر المفطرات أثناء صيامه، إلا إيمانه بالله وشعوره برقابته سبحانه، وحرصه على امتثال أمره، ورسول الله  قد بين لنا جزءا من ثواب الصيام في قوله: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» (البخاري).

نسأل الله القدير أن يعيننا على صوم نهذب به أنفسنا، ونطهر به قلوبنا، ونشد به عزائمنا، على فعل الخير لنفوز برضا ربنا .

 ذ. أحمد حسني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *