اللغة العربية لغة القرآن الكريم:مباني ومعاني 2 – أصالة الحرف في بناء دلالة الكلمة (2)


أشرنا في الحلقة الماضية “أصالة الحرف في بناء دلالة الكلمة الحلقة الأولى(1) المحجة عدد 478 إلى عدد حروف المباني في اللغة العربية كما ذكرها الخليل في مقدمة كتابه العين، وأشرنا إلى تطورها من حيث العدد عند سيبويه، وفي هذه الحلقة سنتابع الحديث عما يثبت أصالة الحرف في بناء دلالة الكلمة.

وفي هذا السياق نعرض أحرف المباني كما هي مرتبة المخارج عند الخليل أولا، ثم عند غيره ممن جاء بعده كسبويه، وابن جني. وفي هذا السياق نورد كلام الخليل وهو قوله: “في العربية تسعة وعشرون حرفا… فأقصى الحروف كلها العين، ثم الحاء، ولولا بحة في الحاء لأشبهت العين لقرب مخرجها من العين، ثم الهاء، ولولا هتة في الهاء، وقال مرة ههة لأشبهت الحاء لقرب مخرج الهاء من الحاء، فهذه ثلاثة أحرف في حيز واحد؛ بعضها أرفع من بعض، ثم الخاء والغين في حيز واحد كلهن حلقية، ثم القاف والكاف لهويتان، والكاف أرفع، ثم الجيم والشين والضاد في حيز واحد، ثم الصاد والسين والزاء [الزاي] في حيز واحد، ثم الطاء والدال في حيز واحد، ثم الظاء والذال والثاء في حيز واحد، ثم الراء واللام والنون في حيز واحد، ثم الفاء والباء والميم في حيز واحد، ثم الألف والواو والياء في حيز واحد. والهمزة في الهواء لم يكن لها حيز تنسب إليه.

قال الليث: قال الخليل:

(1) فالعين والحاء والهاء والخاء والغين حلقية؛ لأن مبدأها من الحلق.

(2) والقاف والكاف لهويتان لأن مبدأهما من اللهاة.

(3) والجيم والشين والضاد شجرية لأن مبدأها من شجر الفم أي مخرج الفم.

(4) والصاد والسين والزاي أسلية لأن مبدأها من أسلة اللسان، وهي مستدق طرف اللسان.

(5) والطاء والتاء والدال نطعية لأن مبدأها من نطع الغار الأعلى.

(6) والظاء والذال والثاء لثوية لأن مبدأها من اللثة.

(7) والراء واللام والنون ذلقية لأن مبدأها من ذلق اللسان، وهو تحديد طرفي ذلق اللسان.

(8) والفاء والباء والميم شفوية، وقال مرة شفهية لأن مبدأها من الشفة.

(9) والياء والواو والألف والهمزة هوائية في حيز واحد لأنها لا يتعلق بها شيء، فنسبت كل حرف إلى مدرجته وموضعه الذي يبدأ منه…” (1/ 57- 58).

هكذا يمكن القول بأن تصنيف الخليل لأحرف المباني حسب مخارجها تصنيف وظيفي دقيق يمثل قدرة المتكلم باللغة العربية على التعبير بما يريد، ولذا بدأ هذا التصنيف بحرف العين الذي يمثل الدرجة الأولى في عمق جهاز النطق عند الإنسان العربي ثم تدرج ترتيب الحروف التصاعدي إلى آخرها في المخرج المتحكم فيه، وهو الميم الذي يمثل آخر رتبة في حيز الشفتين. ولهذا الترتيب وظيفة عامة في معجم العين للخليل بالإضافة إلى الوظائف الخاصة لبعض هذه المجموعات من الحروف، من ذلك أي من هذه الوظيفة العامة:

(1) أن ترتيب الحروف يتضمن الترتيب العددي للكلمات التي يوجد فيها ذلك الحرف أكثر من الحرف الذي يليه بالكلمات التي يوجد فيها. فالكلمات التي يوجد فيها حرف العين أكثر عددا من التي يوجد فيها حرف الحاء الذي يأتي بعده في الترتيب، وكلمات حرف الهاء أكثر من كلمات الخاء وهكذا… ولذا سنشير إلى عدد الصفحات التي تشغلها كلمات كل مجموعة مرتبة من الحروف في درجة معينة من ذلك ما يلي:

أ – المجموعة الأولى وعددها خمسة عشر حرفا هي كما رتبها الخليل ع- ح- ﻫ -خ- غ- ق- ك- ج- ش- ض- ص- س- ز- ط- د. ويتراوح عدد الصفحات التي تشغلها الكلمات التي يختص بها كل منها ما بين جزئين أي ربع مادة المعجم كله كحد أعلى وسبعين صفحة كحد أدنى، وأغلب كلمات كل حرف من هذه الحروف تشغل أكثر من مائة صفحة… فالحرف الأول الذي هو العين تبدأ الكلمات التي يوجد فيها من أول صفحة في الجزء الأول إلى آخر صفحة في الجزء الثاني، كما تشغل الكلمات التي تتضمن حرف الحاء الذي يأتي بعد العين أربعا وثلاثين وثلاث مائة صفحة، أي معظم الجزء الثالث من كتاب العين، ويشغل عدد الكلمات التي تتضمن حرف الهاء ثلاث ومائتي صفحة، وهكذا يستمر نزول عدد صفحات هذه الحروف إلى سبعين  صفحة (باستثناء أحرف الزاي الوارد في الرتبة الثالثة عشرة ضمن هذه المجموعة، ومع ذلك لا تتجاوز الصفحات التي تشغلها الكلمات التي يوجد فيها أربعة وخمسين صفحة).

ب – المجموعة الثانية وعددها عشرة أحرف هي ت- ظ- ث- ذ- ر- ل- ن- ف- ب- م، وتتراوح عدد الصفحات التي تشغلها الكلمات التي يوجد في كل منها ما بين ستين صفحة كحد أعلى وخمس صفحات كحد أدنى.

ج – المجموعة الثالثة وهي أربعة أحرف فقط هي حسب ترتيب الخليل لها: و- ا- ي- همزة، وتشغل الكلمات التي توجد فيها بصفة عامة ثمان صفحات، وهذا يدل على أن الخليل رتب حروف المباني وفق رؤية معينة تتعلق بوظيفتي الكم والكيف معا، ولعل أهدافه من هذا الترتيب غير مدركة بالشكل المطلوب.

ويبدو أن بعض الغبش كان يحول بين بعض من حاول الاقتداء به، وفي هذا السياق يقول ابن دريد في مقدمة كتاب جمهرة اللغة: “وقد ألف أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي رضوان الله عليه (كتاب العين) فأتعب من تصدى لغايته، وعنى من سما إلى نهايته، فالمنصف له بالغلب معترف، والمعاند متكلف، وكل من بعده له تبع أقر بذلك أم جحد، ولكنه رحمه الله ألف كتابه مشكلا [مشاكلا] لثقوب فهمه، وذكاء فطنته، وحدة أذهان أهل دهره” (الجمهرة: 10/ 3).

هذه العبارات التي استعملها ابن دريد في وصف كتاب العين للخليل توحي بنوع من النقص عند من جاء بعده في إدراك مضمونه، فمضمون كتاب العين لا يدرك إلا بعد بذل جهد مناسب كما تدل عليه العبارة في النص أعلاه: “فأتعب من تصدى لغايته”. وقد يتعذر على البعض استيعابه كما تدل عليه العبارة: “وعنى من سما إلى نهايته”.

ومما ورد في لسان العرب بخصوص دلالة فعل “عنى” قوله: “وقال أبو الهيثم: العناء: الحبس في شدة وذل، يقال عنا الرجل يعنو عنوا وعناء إذا ذل لك واستأسر، قال: وعنيته أعنيه تعنية إذا أسرته وحبسته مضيقا عليه…” (ل ع 15 مادة عنا). فهذا ما تعنيه كلمة “وعنّا من سما إلى نهايته” التي استعملها ابن دريد في وصف صعوبة إدراك مضمون كتاب العين.

ويبدو أن كتاب العين يمثل حلقة خاصة في وصف نظام اللغة العربية مادة ومنهجا؛ لأنه مشاكل لثقوب فهم صاحبه وحدة أذهان أهل دهره.

وبعد هذا يأتي نقد بن جني لترتيب الخليل لأحرف المباني، يقول بعد ذكر ترتيبها عند سيبويه: “فهذا ترتيب الحروف على مذاقها وتصعدها، وهو الصحيح، فأمر ترتيبها في كتاب العين ففيه خطل واضطراب ومخالفة لما قدمناه آنفا مما رتبه سيبويه، وتلاه أصحابه عليه وهو الصواب…” (سر صناعة الإعراب، 1/ 45). وهذا ما سنفصل القول فيه في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.

يتبع…

د. الحسين كنوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *