افتتاحية – أيها العقلاء والمربون: الإسلام مرجعيتنا الأولى لإصلاح التربية والتعليم


لا يخفى على أحد أن أهم القطاعات الحيوية في البناء الحضاري للأمة هو القطاع التربوي والتعليمي؛ لأنه القطاع الذي به تكوِّن الأمة رجالَها، وهو القطاع الوحيد المزود لما سواه من القطاعات بالطاقات البشرية الخيرة الحاملة للصفات الوراثية للأمة الشاهدة، والمؤهلة أخلاقيا وعلميا ومهاريا للتناسل وحفظ النوع الحضاري؛ إنه القطاع الذي به تبني الأمة ذاتها، وبه تحصن موقعها، وبه تحسن واقعها، وبه تحفظ مقوماتها وتجدد ذاتها وتجود منجزاتها.

ومن هنا صح أن يعد مجال التربية والتعليم من أولى الأولويات في بناء كل أمة وحضارة، فإذا روعي حق المراعاة كانت تغذية جميع مكونات الجسم الحضارية تغذية سليمة وقوية ومتكاملة.

وعلى ضوء هذا؛ فالإصلاح الحقيقي في المجال التعليمي ينبغي أن ينطلق من أصول الأمة الإيمانية ومقوماتها الدينية الأساس؛ التي بها وجدت في التاريخ، ولن تستأنف وجودها إلا بها، وبها تميزت عن غيرها وتفاعلت مع محيطها ولن تتميز اليوم وتتفاعل من جديد إلا بهذه الأصول التي بها تحددت رسالتها في هداية الناس، وليس لها من رسالة إلا هذه الرسالة.

إن نظامنا التعليمي والتربوي مطالب بإقامة البناء العقدي والفكري والأخلاقي للأمة على هدي الوحي: فلا أخلاق من غير تربية عقدية وفكرية وفق أصولها في الوحي، ولا أمل في صلاح الأعمال والتصرفات من غير صلاح  الأحوال والتصورات على هدي ما في القرآن والسنة من التوجيهات، ولا سبيل إلى بناء العمران إلا ببناء الإنسان وفق إرشادات القرآن، ولا بناء للإنسان من غير بناء الوجدان، ثم إنه لا بناء للوجدان إلا بالتربية على الاعتقاد الصحيح في الخالق الديان، وتصحيح الإيمان به وبصفات جلاله وجماله وكماله واستحضارها في مختلف أحوال الإنسان وأقواله وأفعاله؛ فبهذه الإقامة الصحيحة تصح التصرفات وتستقيم السلوكات، وتصلح العلاقات ويشيع داخل الأمة وبينها وبين غيرها الأمن والاستقرار وتتأسس أركان الازدهار.

وإن الذي يدلنا أيضا على أن التعليم والتربية هما أولى القطاعات وأجدرها بالاهتمام والمراعاة هو ما نشاهده في واقع الحضارات المعاصرة التي لم تدخل مرحلة الإفلاس إلا لما انتقلت من الإيمان إلى الإلحاد والجحود وفصل الدين عن الدنيا، ولم تترسخ جذور الفساد ولا سرت في أوصال الأمم المعاصرة إلا لما أجهز على قطاع التربية والتعليم، وصار قناة لتوزيع الأفكار الهدامة ونشر العقائد المخالفة لما يجب أن تكون عليه الإنسانية من التدين النقي والفكر السوي والتصرف الفاضل والتدبير العادل.

أيها العقلاء والمربون: ألا لا علاج ناجع وشامل لأمراض الفكر والسلوك، ولا دواء كاف وشاف لداء الإجرام في التصورات والتصرفات إلا بجعل التربية والتعليم الإسلاميين مرجعية أولى لإصلاح أوضاعنا والارتقاء بسلوكنا إلى الأفضل؛ وهو أولوية الأولويات، ويوم بلقح نظامنا التربوي والتعليمي بروح الوحي وأصول الإيمان آنذاك -وآنذك فقط- ستحل فيه الحياة وتدب إليه عوامل الصحة والقوة والمناعة؛ }أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا{ (الأنعام: 122) وعلى قدر ما تسقى عقول الأبناء وتتغذى أرواحهم بالوحي على قدر ما تشتد وتقوى على الوجود والتفاعل المثمر والتكاثر في الخيرات }كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ{ (الفتح: 29).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *