إلى أن نلتقي – الأستاذ إدريس اليوبي:الرجل الجاد المحبوب


انتقل إلى رحمة الله تعالى الأستاذ إدريس اليوبي وهو في أوج العطاء التربوي والعلمي والإداري والخيري، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يغفر له ويسكنه فسيح جنانه مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يرزق ذويه الصبر ويضاعف لهم الأجر، وأن يتولى ذريته بحفظه وعنايته ولطفه، وأن يلحقنا به مؤمنين مسلمين غير مبدلين ولا مغيرين.

عرفته رحمه الله حينما كان طالبا في الجامعة، في ثمانينيات القرن الميلادي الماضي، وكنت إذاك حديث عهد بالتحاقي للتدريس في الجامعة، عرفته طالبا متصفا بأخلاق عالية، بشوشا سمحا، مقدِّرا لأساتذته، مجتهدا غاية الاجتهاد، محبا للعربية، ملتزما بدينه، ولفارق السن البسيط بيننا نمت منذ ذلك الحين صداقة خالصة، استمرت إلى أن وافته المنية رحمه الله تعالى.

منذ ذلك الحين وأنا أعرف فيه مجموعة من الخصال أذكر منها ما يلي:

– البشاشة في الوجه: أينما التقيتَ بالأستاذ إدريس اليوبي رحمه الله، بهرتك بشاشة وجهه، وإشراق محياه، وطلاقة لسانه بالكلام الطيب والثناء الحسن، ليس مداهنة أو مداراة أو مراءً، ولكن عن صدق ومحبة وتقدير. هكذا كان مع أصدقائه وأساتذته وتلامذته، ومع من يعرف ومن لا يعرف.

– التفاني في العمل والإبداع فيه: كما عرفته مجتهدا وهو طالب، بقيت هذه الخصلة ملازمة له طول حياته، فكل من عرفه بحق، أدرك أنه في غاية التفاني في العمل حينما كان أستاذا مدرسا، وحينما كان إداريا في عدد من المؤسسات، كما أن هذا الاجتهاد لم يكن يخلو من لمسات إبداعية، يتيقن من هذا كل من زاره في القسم وهو يزاول التدريس، أو من زاره في المؤسسة التي كان يديرها، ووقف عن قرب على الأنشطة التي كان يقوم بها أو التي كان يطمح في إنجازها.

زرته رحمه الله ذات مرة، باعتباره مديرا لمؤسسة تعليمية، وعضوا ومسؤولا في جمعية المديرين، لاستقراء وجهة نظره في موضوع تنظيم أنشطة للتلاميذ في اللغة العربية بالتعاون مع فرع فاس للجمعية المغربية لحماية اللغة العربية، في سياق مشروع للجمعية كانت تنوي تفعيله بالتعاون مع أكاديمية التربية الوطنية بفاس، فكانت له رحمه الله العديد من الاقتراحات في الموضوع، انطلاقا من واقع تجربته المتميزة في التربية والتدريس والإدارة.

– توظيف الوقت الفائض: لم يكن رحمه الله يفصل بين العمل الرسمي وبين ما يمكن أن يكون وقتا فائضا لديه، بل على العكس من ذلك، كان كل وقته داخلا في العمل الرسمي حتى وإن لم يكن كذلك، ولذلك كان يوظف من وقته ما شاء الله له من أجل العمل التطوعي أو الدعوي، ومن ثم عمل متطوعا بكل نشاط وتفان في أكثر من مجال، وأكثر من جمعية محتسبا ذلك عند الله تعالى.

– الطموح: قبل حوالي سنة، في لقاء عابر بإحدى أزقة فاس العامرة، وفي سياق حديث عما ينبغي أن يكون أو يُنجز، حدثني أنه ما زال يفكر في إعداد الدكتوراه، خاصة أن أحد أساتذته كان يلح عليه في ذلك كلما التقى به، لكن يصرفه عن ذلك -كما قال- كثرة المشاغل والالتزامات، ثم عبر بهيئة المستفسِر، وهو بشوش مبتسم كعادته، “شْرَفْنا وحْنا مازال نفَكْرُ في الدكتوراه”. فقلت له إن طلب العلم يشرِّفُ (من الشَّرَفِ) صاحبه، دون أن يُشَرِّفه، (من الشَّرْف، بالمعنى الدارج، أي الهرَم، والفرق بينهما في الاستعمال الدارج كما هو معروف هو تفخيم حرف الراء وترقيقه. وبالمناسبة فإن المعنى الدارج فصيح أيضا. جاء في المعاجم: “الشُّرْفُ جمع شارِفٍ وهي الناقة الهَرِمةُ المُسنة، وسهم شارِفٌ إذا وُصِف بالعتْقِ والقِدَم).

رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنانه، ورزق ذويه الصبر، وبارك في ذريته، وجعلهم من الصالحين، وألحقنا به مؤمنين مسلمين.

د. عبد الرحيم الرحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *