نصـوص الإعجـاز القرآنـي (6)


تُعنى هذه الزاوية بجمع ما تناثر من نصوص الإعجاز القرآني في غير مصادره المتخصصة، وما تناثر في هذه المصادر لكن لغير مؤلفيها، كما تُعنى بتصنيفها حسب تاريخ وفاة أصحابها، وذلك خدمة لمكتبة هذا العلم، وفتحا لآفاق جديدة للبحث فيه، ومحاولة لإقامة

(الموسوعة التاريخية لنصوص الإعجاز القرآني في التراث العربي).

(تتمة نصوص ربَّن الطبري (بعد 260هـ))

 (2)

«وقد يحتَجُّ علماء أهل الذمة بأن النبي  كان أميا، وأن الله لا يبخل على أنبيائه برسم الكتابة؛ إذ كان أحسن ما اختصهم به، وأقل ما علَّمهم من غيبه وآياته.
والجواب فيه أن الله تعالى خصّ كلا منهم بما رأى جل وعز، فمنهم الخطيب البارع مثل داوود، ومنهم التمتام والألثغ مثل موسى، ومنهم من أحيا الميت دون غيره، ومنهم من فلَق البحر من الصخر وينابيع المياه ولم يُعط ذلك غيره. ومنهم حكيم كاتب مثل سليمان، ومنهم أمي مثل داوود؛ فإنه قال في زبوره: «من أجل أني لم أعرف الكتابة»، فلم يُزْر ذلك به كما أنه لم يُزْرِ بالمسيح أن لا يكون ملاعبَ الأسنة أو مِن رماة الحدَق، أو لا يكون ماسحا ولا مهندسا.

وكما أنه لم يزْرِ بموسى أن لا يكون لسنا خطيبا أو ماشيا على الهواء، وأن لا يكون أبرأ الأكمه والأبرص، وأن لم يزْر به وبداوود ونظرائهما عليهم السلام أن لا يكون الله رفعهما إلى السماء كما رفع غيرهما، فليس لقائلٍ أن يقول بَخِلَ على فلان النبي بما جاد به لفلان النبي؛ بل قائل ذلك مُعانِد مارد.

أما نرى أنه لم يُعَب شمعون الصفا ولا متّى ولوقا وتلامذة المسيح  بأن يكونوا بلغوا مدى فولوس في بلاغته وبيانه.

وكذلك النبي لم يَشنه أنه أميّ مثل داود؛ بل جعل الله ذلك آية باهرة وحجة على من كفَر به من قومه؛ إذ كان قد  صح عند الأمم وأهل الذمة أنه لم يجئ بهذا القرآن بفضل بيان أو حكمة أرضية. ولقد كان  موجِزا في كلامه، نَزُورا، يذم المكثار المهذار، ويترسل في القول…

فالأمية التي عابه بها أهل الذمة غير مزرية به ولا عاتبة؛ بل حجة وبرهان منير. فلو جاء بمثل هذا الكتاب الذي قد وصفْته رجل أديب خطيب لكان كذلك آية من الآيات، فكيف إذا جاء به رجل بدوي أمي، فإن ذلك يشهد له أن الله أنطقه، وروح القدس سدده له وأعانه عليه».

[الدين والدولة في إثبات نبوة النبي محمد ، ص: 98-107]

(أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري (ت276 هـ))

(1)

«الحمد للّه الذي نهج لنا سبل الرّشاد، وهدانا بنور الكتاب، ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً(الكهف: 1) بل نزّله قيّما مفصّلا بيّنا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد(فصلت: 42) وشرّفه، وكرّمه، ورفعه وعظّمه، وسماه روحا ورحمة، وشفاء وهدى ونورا.
وقطع منه بمعجز التّأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النّظم عن حيل المتكلّفين، وجعله متلوّا لا يُملّ على طول التّلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق على كثرة الرد، وعجيبا
لا تنقضي عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب، وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه، وذلك معنى قول رسول اللّه، : «أوتيت جوامع الكلم».
فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِين(الأعراف: 199) كيف جمع له بهذا الكلام كل خلق عظيم؛ لأن في أخذ العفو صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين. وفي الأمر بالعرف تقوى اللّه وصلة الأرحام، وصون اللّسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات.

وإنما سمّي هذا وما أشبهه عرفا ومعروفا؛ لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئنّ إليه.وفي الإعراض عن الجاهلين: الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج.
وقوله تعالى إذ ذكر الأرض فقال: أَخْرَجَ مِنْها ماءَها ومَرْعاها(النازعات: 31) كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر، والحب والثمر والحطب، والعصف واللّباس، والنّار والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. وينبئك أنه أراد ذلك قوله: مَتاعاً لَكُمْ ولِأَنْعامِكُمْ(النازعات: 33).
وفكّر في قوله تعالى حين ذكر جنات الأرض فقال: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُل(الرعد: 4) كيف دلّ على نفسه ولطفه، ووحدانيته، وهدى للحجّة على من ضلّ عنه؛ لأنه لو كان ظهور الثمرة بالماء والتّربة، لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم، ولا يقع التّفاضل في الجنس الواحد، إذا نبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنّه صنع اللطيف الخبير. ونحو قوله: ومِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ والْأَرْضِ واخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وأَلْوانِكُم(الروم: 22) يريد اختلاف اللّغات، والمناظر، والهيئات. وفي قوله تعالى: وتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ(النمل: 88) يريد:
أنها تجمع وتسيّر، فهي لكثرتها كأنها جامدة واقفة في رأي العين، وهي تسير سير السحاب. وكل جيش غصّ الفضاء به لكثرته، وبعد ما بين أطرافه، فقصر عنه البصر، فكأنه في حسبان الناظر واقف وهو يسير.
وفي قوله جلّ ذكره: ولَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلْباب(البقرة: 179) يريد أن سافك الدّم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهمّ بالقتل، فكان في القصاص له حياة وهو قتل. وأخذه الشاعر فقال:
أبْلغْ أبا مالكٍ عنّي مغلْغلةً

وفي العِتاب حَياةٌ بيْن أقْوامِ

يُريد أنّهم إذا تعاتبوا أصْلحَ ما بينهم العتابُ فكفّوا عن القتل، فكان في ذلك حياة. وأخذه المتمثّلون فقالوا: «بعض القتل إحياء للجميع». وقالوا: «القتل أقلّ للقتل».
[تأويل مشكل القرآن، ص: 3-7]

د. الحسين زروق

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *