مقولة “الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في باب الخير لان…” في ميزان النقد 1


المقولة جزء من نص منسوب للأصمعي، لكنه رُوي بروايتين متضاربتين متعارضتين:

1 – رواية ابن قتيبة في الشعر والشعراء، ورواية المرزباني في الموشح

2 – فما هو وجه التعارض بين الروايتين؟

3 – وأي منهما الأضعف والأصح؟ وما هي مقاييس التصحيح والترجيح؟

4 – وما سبب شيوع الرواية الأضعف في كتب التراجم والطبقات؟

1 – روايتا المقولة:

1 . 1 – فأما رواية ابن قتيبة -وهي الأقدم والأكثر انتشارا-(1) فهي قوله: “قال الأصمعي الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في الخير ضعف، هذا حسان (بن ثابت) فحل من فحول الجاهلية، فلما جاء الإسلام سقط شعره، وقال مرة أخرى: شعر حسان في الجاهلية من أجود الشعر، فقطع متنه في الإسلام، لحال النبي “(2).

1 . 2 وأما – رواية المرزباني -وهي الأحدث والأقل تداولا- (3) فهي: “حدثني عبد الله بن يحيى العسكري، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الصمد، قال: حدثنا الكراني، قال: حدثنا العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنا الأصمعي، قال: طريق الشعر إذا أدخلته في باب الخير لان ألا ترى أن حسان بن ثابت كان علا في الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره في باب الخير -من مراثي النبي  وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم- لان شعره، وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس وزهير والنابغة، من صفات الديار والرحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحمر والخيل والحروب، والافتخار، فإذا أدخلته في باب الخير لان” (4).

2 – وجه التعارض بين الروايتين:

واضح ما بين الروايتن من تعارض مع أن الناطق بهما واحد، وهو الأصمعي؛ ففي الوقت الذي تذهب فيه رواية ابن قتيبة إلى توسيع دائرة التجريح ليشمل زمن الإسلام بكامله من حيث هو زمن تخلفت فيه شاعرية حسان سقوطا وضعفا ومقطوعا سندها عن زمن سابق هو زمن الجاهلية من حيث هو زمن الفحولة والتفوق، متذرعة بالعامل الديني: “لحال النبي”؛ وفي الوقت الذي تستخدم هذه الرواية مصطلحات صارمة في التجريح من قبيل: “النكد” و”الشر” و”الضعف” و”السقوط” و”القطع”، تذهب رواية المرزباني على خلافها إلى تقليص دائرة التجريح لينحصر في غرض شعري جديد على حسان بن ثابت كما سيتبين في سياقه بعد، ولِتُقِرَّ بتفوق شاعريته في بقية الأغراض الشعرية في زمن الجاهلية والإسلام معا؛ ووجه التعارض الثاني هو تجنب رواية المرزباني للمصطلحات القادحة والأشد جرحا، والاقتصار على مصطلح ألطف تجريحا هو مصطلح “اللين”، من حيث هو مصطلح لغوي كما سيتضح بعد، وعلى خلاف رواية ابن قتيبة تذهب رواية المرزباني إلى أن سبب “تليين” شاعرية حسان هو سبب فني -وليس دينيا كما في الرواية الأولى- يعود إلى غرض جديد على الشاعر لم يكن مؤهلا للقول فيه أصلا كما سيتضح بعد.

3 –  فأي الروايتين أوثق وأصح؟

للإجابة عن هذا السؤال سنحاول أن نسلك مسلك المحدثين في نقد نص الروايتين سندا ومتنا:

3 . 1 – من حيث سند رواية ابن قتيبة:

3 . 1 . 1 – يتبين أن سند الرواية الأولى غير متصل ما بين الناقل – وهو ابن قتيبة المتوفى 276 هـ -والناطق بالنص- وهو الأصمعي المتوفى 215 هـ، إذ الثابت أن ابن قتيبة لم يكن تلميذا للأصمعي، وإنما تسربت إليه مروياته عبر جيل من تلامذة الأصمعي المباشرين الذين نقل عنهم في كتاب الشعر والشعراء نصوصا أخرى عن الأصمعي نفسه أضراب أبي حاتم السجستاني(5) المتوفى 248 هـ، والرياشي العباس بن الفرج(6) المتوفى 257 هـ، و عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي(7). ووجه الاعتراض هنا على رواية ابن قتيبة هي أن نصوصا غير قليلة رواها عن الأصمعي بواسطة تمثل طبقة من العلماء هم تلامذة صاحب النص، وهم في الوقت ذاته شيوخ ناقل النص؛ فلم أثبت السند هناك وأسقط هنا؟ أليس من الجائز بل من الراجح أن ابن قتيبة إنما أعوزه السند فأسقطه.

3 . 1 . 2 – وعلى خلاف رواية ابن قتيبة اتسمت رواية المرزباني (ت 384 هـ) -رغم تأخرها الزمني- باتصال السند بين الناقل والناطق طبقة عن طبقة، وباستعمال صيغة التحديث: “حدثني” و”حدثنا”، وهي من أرقى صيغ السماع وأرقى مراتب التحمل والأداء لدى المحدثين.

3 . 1 . 3 – لم يكن ابن قتيبة بالناقل الذي يوثق بمجمل مروياته في اللغة والشعر، فقد أُخذ عليه تساهله في نقل الأخبار وادعاء الحمل عمن لم يلتق بهم إطلاقا، ومن ذلك ما لاحظه عليه الأزهري: “القتيبي، روى عن سيبويه، والأصمعي، وأبي عمرو؛ وهو لم ير منهم أحدا”(8)، وجرحه لهذا لسبب غير واحد من العلماء؛ ومنهم أبو الطيب اللغوي (ت351 هـ)، وقد طعن في مروياته اللغوية بقوله: “ابن قتيبة خلَّط.. بحكايات عن الكوفيين لم يكن أخذها عن ثقات، وكان يتستر في أشياء لا يقوم بها، نحو تعرضه لتأليف كتابه في النحو، وكتابه في تعبير الرؤيا، وكتابه في معجزات النبي صلى الله عليه وسلم، وعيون الأخبار، والمعارف، والشعراء، ونحو ذلك مما أزرى به عند العلماء، وإن كان نفَق(9) به عند العامة ومن لا بصيرة له”(10).

3 . 1 . 4 – وغلَّطه الأزهري في (محمد بن أحمد) (ت 370هـ) بقوله: “وأما أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري فإنه ألف كتبا … تصفحتها كلها، ووقفت على الحروف التي غلط فيها، وعلى الأكثر الذي أصاب فيه. فأما الحروف التي غلط فيها فإني أثبتها في موقعها من كتابي، ودللت على مواضع الصواب فيما غلط فيه… فأما ما استبد فيه برأيه… فإنه ربما زل فيما لا يخفى على من له أدنى معرفة، وألفيته يحدس بالظن فيما لا يعرفه ولا يحسنه”(11).

3 . 1 . 5 – ورغم أن ابن النديم (ت385 هـ) شهد له بالصدق والعلم باللغة والغريب والشعر فإنه جرحه بالتخليط والغلو المذهبي: “عبد الله بن مسلم.. كان يغلو في البصريين، إلا أنه خلط المذهبين، وحكى في كتبه عن الكوفيين”(12)؛

3 . 1 . 6 – ورغم أن الذهبي نعته بالصدوق فقد أخذ عليه قلة الرواية: “عبد الله بن مسلم بن قتيبة.. صدوق، قليل الرواية”(13)؛

3 . 1 . 7 – ولعل كثرة الأغلاط التي تواترت في مرويات ابن قتيبة هي التي سمحت لابن الأنباري -فيما رواه الأزهري باتهامه بالغباوة وقلة المعرفة: “ورأيت أبا بكر الأنباري ينسبه إلى الغباوة وقلة المعرفة”(14)؛

3 . 1 . 8 – واتُّهمت مرويات ابن قتيبة اللغوية في لسان الميزان لابن حجر بـ “قلة الرواية” و”ادعاء التقدم في العلوم”، و”الهجام الولوج فيما لا يحسنه”: “عبد الله بن مسلم.. صدوق، قليل الرواية… قال ابن نصر الوابلي: ابن قتيبة يتعاطى التقدم في العلوم، ولم يرضه أهل علم منها، وإنما الإمام المقبول عند الكل أبو عبيد.. وقال إمام الحرمين: ابن قتيبة هجام ولوج فيما لا يحسنه..”(15)؛

3 . 1 . 9 – ومن المحققين المعاصرين من فطن إلى شيء مما ذكره القدماء في تضعيف مرويات ابن قتيبة اللغوية على نحو ما لاحظه الدكتور الطاهر أحمد مكي على كتابه الشعر والشعراء -وهو الذي يعنينا- من تسرع وتخليط وضعف في التحري: “… وقد تتشابه عليه الأسماء فيخلط بينها، ويضيف من الأحداث لشاعر ما ليس له. فحين ترجم لأبي دواد الإيادي ذكر أنهم “اختلفوا في اسمه، فقال بعضهم: هو جارية بن الحجاج، وقال الأصمعي: هو حنظلة الشرقي”، ونسبة هذا الخبر إلى الأصمعي خاطئة؛ لأن حنظلة بن الشرقي هو أبو الطمحان القيني، وقد ذكر الأصمعي نسب أبي دؤاد صحيحا في “أصمعياته” فذكر أنه أبو دؤاد الإيادي واسمه جارية بن الحجاج” (16).

د. صالح أزوكاي

————————–

1 – نقلها ابن عبد البر في الاستيعاب: 1/346، والبكري في سمط اللآلي: 1/172، والكلاعي في إحكام صنعة الكلام، وابن الأثير في أسد الغابة: 1/483.

2 – الشعر والشعراء: 1/ 305.

3 – لم نعثر في المصادر التي اطلعنا عليها إلا على ناقل واحد، هو الشريف المرتضى في الأمالي: 1/269

4 – الموشح 79، ورد هذا النص أيضا في ص: 83، في معرض الحديث عن لين شعر النابغة الجعدي، لكنه محذوف السند، وفيه لفظتان مختلفتان عن الأول، ففي الأول ذكرت (هو طريق) وفي الثاني أنثت (هي طريق)، وفي الأول (النبي) وفي الثاني (رسول الله).

5 – نقل ابن قتيبة عن أبي حاتم عن الأصمعي في الشعر والشعراء سبع مرات في ص: 8، 9، 300،484، 485، 496، 574.

6 – نقل ابن قتيبة عن الرياشي عن الأصمعي في الشعر والشعراء في ص: 12.

7 – نقل ابن قتيبة عن عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي عن الأصمعي في الشعر والشعراء ست مرات في ص:225،377، 443، 570، 604، 639.

8 – تهذيب اللغة: 25، يراجع مقدمة مشكل القرآن تحقيق السيد أحمد صقر: 38.

9 – نفَق البيع نفاقا: راج … ونفَق الدرهم ينفُق نفاقا: كذلك … ومنه الحديث: اليمين الكاذبة مَـنْـفقة للسلعة مَمْحقة للبركة

10 – مراتب اللغويين:136 ـ 137.

11 – تهذيب اللغة: 46.

12 – الفهرست: 1/115.

13 – ميزان الاعتدال: 2/503.

14 – تهذيب اللغة: 46.

15 – لسان الميزان: 3/357 – 359.

16 – دراسة في مصادر الأدب: 249.

يتبع


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “مقولة “الشعر نكد بابه الشر، فإذا دخل في باب الخير لان…” في ميزان النقد

  • عبد الوهاب بافلح

    مقولة مهمة مفصلية في التراث النقدِي، متشوق للمزِيد من البحث في أصولها ودلالتها. شكرا على التَّنبِيه والدِّقة والوضوح في الطَّرحِ.