مسافات – ماذا لو تعطل النهار؟


كثيرا ما يؤنسني الليل وأنا أبحث في ظلمته عن مخارج لهموم الحياة وعطلها، فيأسرني صمته المفتوح على عوالم الفكر والتدبّر في سرّ الظلمة، وسرّ السكون، وفي أسرار أخرى، تأخذنا ونحن في حانوت الأرض إلى الملكوت، فننتشي بالتسبيح والذكر أو تذهب بنا بعيدا حيث هرج الحياة، وقلة الحيلة، وتدافع المشاغل التي لا تكترث لتعب الإنسان وسأمه، يكفي أن تفتح نافذتك ليلا، وترفع رأسك إلى السماء بنجومه وأقماره ليأخذك هذا المشهد مسافات عن وجعك المخبوء في داخلك، فتنتشي الروح في العوالم ليصبح الليل ضدا أليفا، فيبدأ القلب في المناجاة:

يا هذا العالم الكبير الساكن فينا، والمنتشر في الأكوان، هل تقدر أغراس الأرض على رفع الظلمة؟ هل تقدر أن تغيّر ملامحنا، وتبدل آهاتنا أفراحا؟ هل تستطيع أن تلبس النور وتوزعه على العوالم أشكالا وألوانا؟ هل تستطيع أن تغيّر أقدارنا وتهدينا من الأحلام، ما يجعلنا جديرين بالحياة؟ هل.. تستطيع أن تغيّر القمر وتجفف النًّهر وتخلق أنواعا أخرى من البشر؟ هل.. وهل… وهل…؟؟
هل تستطيع الطين أن تتشكّل فينا بصورة أخرى، ونحن أقرب ما نكون إليها، كم واحدا فينا فكّر في هذا، وهو يخالب الليل ويحاكيه.

يا الله، والإنسان يعلن رفضه للوصاية، ويروي أنه بفضل تطور العلوم وانفجارها لا يحتاج إلاّ إلى نفسه ليبرهن لها أنه قادر على صنع البقاء، وفرض ذاته وجودا متنصلا من الأبدية، رافضا للسلطة الدينية، الله بمعنى الواحدية، فيتجاهل ضعفه وقلة حيلته مع الأقدار بالتذمر منها بدل الاستئناس بالغيب، وتحفيز القلب على إدراك سر الكينونة.

يستبدل لفظة التوحيد بالطبيعة ويمنّي نفسه، بأن ّالطبيعة خلقت، والطبيعة رزقت، والطبيعة جمّلت، والطبيعة غضبت، فأغرقت الإنسان في شرّ أعماله.

فماذا لو تعطّل النّهار وأبقى الليل على كلكله؟
فهل للإنسان أن يرفع غطاء هذا الليل، ويشيع الأنوار في العوالم بالصورة التي تحفظ للوجود استمراره؟، وهل للطبيعة المخلوقة المسكينة أن تلعب أدوارا ليست لها في تغيير فلسفة العوالم؟.

أتصوّر بعض الأناسي أبطالا أو بيادق في لعبة للشطرنج، ابتكر قواعدها، من أسقط من فكره سؤال المصير، أو انتهى إلى الاقتناع بالعدمية، ففلسف ما حوله بالصورة التي تمنحه مشروعية الحديث، عن سلطة المادة وسلطة الذات، وسلطة العقل وسلطة العلم وأنواع أخرى من السلطات، تُسقط السّرّ الأعظم في بقاء الأكوان وحراكها وتستبدله بالطبيعة.

يا الله في تسامينا ورقيّنا ونحن نتنفّس قلق السّؤال، بتوتّر المنتمي للمشيئة الإلهية.

ويا الله في ضحالة تقديرنا لمعنى الواحدية، ونحن نلبس عباءة الظلم بتفضيلنا لظلمة عقول تؤثر العيش بثقافة اللامنتمي للمشيئة الإلهية، حيث يسكن الليل، الذي يرفض النهار والضّياء والأنوار مقتنعا بالسرمدية الفكرية.
لست أدري، لماذا قفزت الآن إلى ذهني أسماء آثرت أن تكون عدمية: هيدغر، شوبنهور، نيتشه، كيرغارد، جون بول ساتر وغيرهم كثر، واستطاعت بما قدّمت من أفكار، أن تقنع من قرأها وسمعها وعايشها بأن الحياة هو فن التمتّع بالعدمية وإنعاش العبثية ولكن في حضرة الموت وسكراته أعلنت صرختها المحتشمة “الآن فقط أيقنت خطأ فلسفتي أوتوني بقس” لتدرك بعد فوات الأوان أن ّالظلمة هي عذابات نفسية، وأنّ النهاريات عطاءات الله بسط أنوارها على البشرية.

قال تعالى: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُون(القصص:71).

فسبحان من خلق الأكوان، وجعل الضياء إعجازا ربانيا.

دة. ليلى لعوير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *