لآلئ وأصداف – في الحب الشريف


جرت سنة المغاربة، في المناسبات الدينية الاجتماعية، على أن يجتمعوا في البيوت، وأن يتناشدوا المدائح النبوية، التي تكشف عن عمق تعلقهم بالحب الشريف، حب رسول الله . فهم قد يتمايلون ولها، ويعينون المنشد على الإيقاع الجماعي. وهذه المدائح النبوية قد تكون من المألوف إنشاده، مثل بردة البوصيري، وهمزيته، وعينية السهيلي التي مطلعها:

يا من يرى ما في الضمير ويسمع

أنت المعدّ لكل ما يُــتوقع

وقد تكون من الأقل ألفة وشيوعا.

وقد يختلف المنشدون في ضبط بعض الكلمات، إما اجتهادا وإما قصورا، كأن يقرأ بعضهم (المعدّ) على أنها اسم فاعل، أو على أنها اسم مفعول، كما أن بعض الأبيات قد تلحقها أخطاء شنيعة، وتتكرر في الحلقات، كما في هذا البيت:

إني مددت يدي بالذل خاشعة  

بالذل يا خير من مُدت إليه يدُ

فأكثرهم ينشده بلفظ: (يدَيْ)، بفتح الدال وتسكين الياء، وهو خطأ لا يعرف له وجه، وكأن من أخطأ أول مرة أراد تثنية اليد فأخطأ، فسرى غلطه إلى غيره من الناس، وإنما الصواب: (يدي) بالمفرد.

وقد لا يلتفت كثير من الحاضرين إلى معاني ما يُنشد، بقدر ما يلتفتون إلى الإيقاع، رغم أن بعض ذلك الشعر جميل جدا، وإن كان كثير منه ذا بعد رمزي، ولاسيما قصائد التصوف. والرمزية في الشعر مذهب عربي قديم، لم يستورده العرب من الغرب، كما يظن بعض الجهلة. وقد قال عبد الله الطيب، رحمه الله، وهو أحد جهابذة النقد في العصر الحديث، في كتابه: المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، ص 728ـ (أليس البدو، أهل الفلوات العراض والتأمل الواسع، والخلوة الطويلة، من أقدر خلق الله على خلق الرموز وتقبلها، حتى إن أحدهم ليرمز إلى نفسه وآماله وآلامه بالناقة والظليم؟). واستئناسا بهذا القول الذي يميل إلى رمزية الشعر العربي، وأيضا لما عرف من رمزية الشعر الديني، رأيت الوقوف مع مطلع قصيدة مدحية مشهورة، وهو:

جدّ في رحلها فلستَ تُلام

هذه طِيبة وهذا المقام

فهذا البيت يبدأ بفعل أمر: (جِدّ)، أي اجتهد، وابذل الجهد، ولا تتوان. والرحل معروف، كناية عن الناقة، وكانت الناقة عند العربي، وهي وسيلة تنقله بين المضارب والديار، أثيرة عنده، لا يكاد يعدل بها شيئا. فإذا ذبح العربي ناقته للضيف فقد بالغ في الكرم. ولحرصه عليها فهو يحدب عليها ويعتني بها عناية خاصة، ولا يجهدها، ولا يحملها فوق طاقتها، إلا إذا أراد الشاعر المبالغة. ولذلك تقول العرب: (إنّ المنبتّ لا ظهرا أبقى، ولا أرضا قطع). فلذلك يصف الشعراء الناقة بالجلد والتحمل، ومع ذلك لا يبالغون في إجهادها. وأما شاعرنا في هذه المدحية النبوية فهو يدعو صاحبه ألا يرثي لناقته، كما قال الأعشى في مدحيته لرسول لله :

فآليت لا أرثي لها من كلالة

ولا من وجى حتى تلاقي محمدا

إذ لما كان الغرض شريفا وعظيما، فلا بأس من إجهاد الراحلة وحثها على الإسراع. وهنا، يأتي الرمز لنقول إن المخاطب على الحقيقة ليست الراحلة، بل هي النفس الأمارة التي ينبغي مجاهدتها وحثها على الإسراع في سبل الخيرات لترتقي إلى منزلة النفس اللوامة، فالنفس المطمئنة. والحافز في هذه الرحلة هو ما ذكره في الشطر الثاني، وهو قوله: “هذه طيبة وهذا المقام”، وطِيبة، بكسر الطاء، هي المدينة المنورة، سماها بذلك رسول الله ، بعدما كان اسمها في الجاهلية: “يثرب”، فنهى  عن تسميتها بذلك الاسم الجاهلي؛ لأنه من التثريب الذي هو الفساد. قال : «من قال للمدينة يثرب فليستغفر الله تعالى، فإنما هي طيبة وطابة».

وللمدينة أسماء متعددة، وذكرها القرآن الكريم في أكثر من موضع باسم (المدينة). ومن ذلك قوله تعالى: مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الاعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلا إِلا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ(التوبة: 120).

وأما (طَيبةُ)، بفتح الطاء،  فهي مدينة بمصر القديمة. وهي مدينة متحفية فرعونية قديمة بمصر العليا، وهي (الأقصر) اليوم، كانت مركز عبادة رع. فهذا هو الفرق بين “طِيبة” بكسر الطاء، المدينة المنورة، وطَيبة، بفتحها، المدينة المصرية القديمة. وهذا معنى قول الشاعر: (هذه طيبة)، فكأنه يرى المدينة المنورة، حتى وهو لم يبرح مكانه البعيد، منطلقا إليها، وهي الرؤية القلبية التي تحدث عنها الشعراء، وهذا وجه آخر من وجوه التعبير الرمزي. فالعاشق المشوق يرى ديار الأحبة حتى وهو بعيد، ولذلك قال الشاعر، وهو امرؤ القيس:

تنورتها من أذرعات وأهلها

بيثرب أدنى دارها نظر عال.

وشتان ما بين أذرعات ويثرب في المسافة.
هذا الاجتهاد في السير مرده إلى المحبة التي هي جوهر العبادة، محبة الله ورسوله ، وهو ما عبر عنه الحديث القدسي: عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله : «إن الله تعالى قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعـطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه».

يلتقطها أ.د. الحسن الأمراني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *