خطبة منبرية – خلق العفة وسبل التخلق به


الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده…

أيها المسلمون: إن من كريم صفات المؤمنين المخبتين لرب العالمين العفة عن محارم الله: “وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله في أرضه محارمه”، وإن الله ليغار أن يقع العبد في محارمه.

قال ابن منظور: “العفة الكف عمّا لا يحل ويجمل، وهي النزاهة. وتحدث الشيخ الماوردي عن العفة، ومما قاله: “فأما العفة عن المحارم فنوعان: أحدهما ضبط الفرج عن الحرام، والثاني كف اللسان عن الأعراض، فأما ضبط الفرج عن الحرام فلأن عدمه مع وعيد الشرع وزاجر العقل معَرّةٌ فاضحة وهتكة واضحة”، وقد أثنى الله تعالى على من حفظ فرجه فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُون(المؤمنون: 1-7).

وبعد بيان فضل العفة يمكن القول: إن الإسلام نظام متكامل، فهو لا يفرض العفة إلا وقد هيأ لها أسبابها، وجعلها ميسورة للأفراد الأسوياء. فلا يلجأ إلى الفاحشة حينئذ إلا الذي يعرض عن الطريق النظيف الميسور عامدًا غير مضطر. فقد أمر الله سبحانه بأوامر وسن سننًا وشرائع؛ من تمسك بها عفّ ونجا، ومن أعرض عنها فهو الذي ساق نفسه إلى سبيل الغواية والفاحشة.

ومن ذلك أنه تعالى أمر بغض البصر فقال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ويحفظن فروجهن(النور: 29-30)، فغض البصر عن النظر في الحرام هو أول سبيل للتخلق بخلق العفة، ومن أطلق عينه في النظر إلى ما حرم الله سواء مباشرة أو من خلال أية وسيلة أخرى من وسائل العهر فقد خدش عفته، ومن أطال النظر فيما حرم الله عليه أدى به الأمر إلى نحر عفته، واتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى.

عباد الله:

الإسلام يعتمد قبل كل شيء على الوقاية، وهو لا يحارب الدوافع الفطرية، ولكن ينظمها ويضمن لها الجو النظيف الخالي من المثيرات المصطنعة. فطلب العفاف أمر مشروع طلبه النبي  فقال: «اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى» (رواه مسلم).

والإسلام يهدف كذلك إلى إقامة مجتمع نظيف، طاهر قائم على التخلق بالعفة والعفاف؛ لأن إطلاق العنان للشهوات دون ضوابط يؤدي إلى الوقوع في الرذائل الحيوانية، والتي تكون من نتائجها حياة حيوانية فوضوية غير إنسانية، فأحرى أن تكون إسلامية إيمانية.

فتنتشر الأمراض المختلفة، كالأعصاب والعقد النفسية والأمراض العضوية المزمنة الفتاكة التي يصعب علاجها، فيعيش المصاب بذلك في عذاب دنيوي ثم بعد ذلك عذاب أخروي إذا لم يتب.

ومن وسائل الإسلام في إنشاء مجتمع نظيف: الحيلولة دون هذه الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليمًا، وبقوته الطبيعية، دون استثارة مصطنعة، وتصريفه بطرق عفيفة مأمونة طاهرة نظيفة.

إن إطلاق البصر من أجل النظر إلى ما حرم الله سواء من الرجال أو النساء ينتهي إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا حينما يعود إلى الظمأ والاندفاع. الميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل طبيعي في البشر بهدف تحقيق الارتباط الطبيعي المشروع عن طريق الزواج وليس بواسطة الأساليب الشيطانية المغرية، لاستمرار النسل وتحقيق الاستخلاف وعمارة الأرض.

أيها المسلمون: غض البصر من جانب الرجال أدب نفسي، ومحاولة للاستعلاء على الرغبة في الاطلاع على محارم الله، وهو إغلاق لمنافذ الشيطان ووساوسه تجنبا للإصابة بسهامه المسمومة. وحفظ الفرج هو الثمرة الطبيعية لغض البصر، وتحكيم الإرادة، ويقظة الرقابة، والاستعلاء على الرغبة في مراحلها الأولى، إذ غض البصر سبب، وحفظ الفرج نتيجة، وقد وعد رسول الله  من غض بصره بأجر عظيم فقال: «ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفت عن محارم الله» (حسنه الألباني).

ومن أسباب العفاف -يا عباد الله- الزواج؛ قال رسول الله : «يا معشر الشباب: من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء»، وهنا دلّ النبي  الشباب على العلاج الناجع، فمن قدر على الزواج فليبادر إليه، ومن لم يقدر فعليه بالصوم فإنه يضيّق مسالك الشيطان، ولكن لا ينفع الصيام من بات على المسلسلات وكلمات الهوى والغرام عبر الأغاني بأصوات أشباه الرجال والإناث، إن الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسية الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة.

ومن لم يستطع الزواج فالعفة هي طريقه في الدنيا حتى يدخل جنة ربه؛ قال تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفْ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ(النور:33).

وقد وعد النبي  من تزوج يريد العفاف بالعون من الله تعالى فقال: «ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» (حسنه الألباني).

وقد حث الله تعالى حتى كبيرات السن على العفة فقال: وَالْقَوَاعِدُ مِنْ النِّسَاءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(النور: 60)، فهؤلاء القواعد لا حرج عليهن أن يخلعن ثيابهن الخارجية، على أن لا تنكشف عرواتهن ولا يكشفن عن زينة، وخير لهن أن يبقين كاسيات بثيابهن الخارجية الفضفاضة، وسمى هذا استعفافًا، أي طلبًا للعفة وإيثارًا لها، لما بين التبرج والفتنة من صلة وبين التحجب والعفة من صلة، وذلك حسب نظرية الإسلام في أن خير سبل العفة تقليل فرص الغواية، والحيلولة بين المثيرات وبين النفوس. وقد قيل: الشهوة مغتالةٌ مخادعةٌ، وقيل أيضًا: عبد الشهوة أذل من عبد الرق.
وكان سفيان الثوري يربي أصحابه فيقول لهم: “إن أول ما نبدأ به في يومنا ِعفَّةُ أبصارنا”.

عباد الله: العفة من أسباب دخول الجنة والفوز بمرضاة الله تعالى؛ قال : «سبعة يظلهم الله يوم القيامة في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ ومنهم: ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال: إني أخاف الله»، وينقل لنا رسول الله  نزول رحمة الله على من عفّ عن محارم الله فقال: «بينما ثلاثة نفر يتمشون أخذهم المطر، فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها، لعل الله يفرجها عنكم، فقال أحدهم: اللهم إنه كان لي ابنة عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال من النساء، وطلبت إليها نفسها، فأبت حتى آتيها بمائة دينار، فتعبت حتى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلما وقعت بين رجليها، قالت يا عبد الله: اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، فقمت عنها، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم» (رواه مسلم).

قال : «من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه، دخل الجنة» (صححه الألباني).
اللهم قنا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، آمين أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم…
الخطبة الثانية:

عباد الله: لقد قص الله تعالى علينا في كتابه الكريم قصة طريفة في خلق العفاف والعفة وهي قصة يوسف ، فقال سبحانه: وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ(يوسف: 23-25).

إن الصورة التي أمامنا هي صورة شاب مكتمل الشباب والنضارة قد دعته سيدة، وهذه الدعوة السافرة الوقحة لا تكون إلا بعد دعوات كثيرة، وإن المتأمل لنفسية الأنثى ليعلم أن هذه المرأة قد حاولت إغواء يوسف مرة بعد مرة، وكان هو يتجاهل مثل هذه الدعوات ويفر منها بدينه وعفته، ولكن بلغ الهوى منها مبلغًا جعلها تعرض نفسها وهي السيدة بكل وقاحة وبشكل فج غلظ، ففر يوسف بدينه ونجا لأنه التجأ إلى رب رحيم، رب لا يتخلى عمن يمرغ وجهه بين يديه في حال الرخاء.
ولكن المصيبة تكبر وتأخذ حيزًا أضخم، فبعد أن سمع نساء القصر أن زوج كبير الوزراء هامت عشقًا ورمت نفسها بين أحضان أحد العمال، أردن أن يرين هذا الشاب، فقلن عبارات وحرصن على أن تصل لهذه المرأة لعلها أن تريهن هذا الشاب: وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقَالَتْ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَراً إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِين، فهنا محنة أخرى واستعفاف آخر، فنساء الوزراء والكبراء كلهن يردن يوسف أن يقع عليهن، فلم تعد امرأة العزيز فقط: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ(يوسف: 30-33).

فما الذي جعل سيدنا يوسف  يفضل العفة على الارتماء في أحضان الرذيلة؟ إنها خشية الله ومراقبته وخوفه من رب العالمين. وحبه لله تعالى وتفضيله ما عند الله جل جلاله، على ما عند غيره.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا خشيته ويمن علينا بفضله ويقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه قريب سميع مجيب الدعاء. اللهم يا مثبت القلوب… ووفق اللهم عاهل البلاد…
د. احميد عبد اللطيف

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *