حاجة الجامعات والمعاهد الشرعية إلى علوم التربية في التدريس علوم الحديث أنموذجا


إن المطلع على واقع تدريس العلوم الشرعية عموما، وعلم الحديث منها خصوصا، وبنظرة في مخرجات الجامعات والمعاهد الشرعية يلحظ تدنيا ملحوظا في مختلف المستويات، وخاصة على مستوى المراقي العقلية، والمنازل العليا للدماغ التي تجعل الطالب يتصرف في العلم نظرا، ونقدا، واستدراكا، وتجديدا وإبداعا واجتهادا؛ إذ إن المقصد الأساس من تحصيل قواعد هذا العلم، ودراسة مناهج أربابه، لا يقتصر على المستويات الدنيا؛ أقصد أن يتخرج الطالب حمالا ووعاء يستظهر مئات النصوص، دون التمهر في أي واحد منها؛ إذ إن الغاية العظمى من دراسة علوم الحديث، هو أن يصير هيئة راسخة في نفس الطالب، توجه نظره، وتؤثر في نمط تفكيره، وبمعنى أدقق حصول الملكة، أعني أن يعيد الطالب صوغ عقله صياغة حديثية، وأن تلمس ثمار هذه الملكة ليس على مستوى العلم الذي يبحث فيه فقط، بل يتعداه إلى أن يصير وظيفيا في حياته، فلا يصدر حكما إلا بعد التثبت من صحته، ولا يتسرع في إطلاق الأحكام إلا بعد الإحاطة بظروفها وملابساتها وسياقاتها (…) إلى غير ذلك من الوظائف التي تثمرها هذه الملكة.

إن الناظر في أسباب قصور الملكة الحديثية لدى خرجي الجامعات والمعاهد الشرعية، يلحظ أن هذا التدني يرجع في شق كبير منه إلى قصور، إن لم نقل إلى غياب منهج تربوي واضح الأسس والمعالم في تدريس هذا العلم. نعم؛ لا ننكر مدى فتور همة الطالب، وتكاسله وتقاعسه عن البحث والتحصيل ومداومة النظر في مصنفات أئمة هذا الفن، ولكن من المسلم به، المعلوم ثبوته بدلالة الحس والتجربة، أن الطالب متى ما أسعفته مناهج التدريس في تقريب العلم، وجعله سهل المنال بين يديه، قادرا على تصور مسائله، يستطيع أن ينزل قواعده، لا شك أنه يقبل بحب ونهم على هذا العلم. فمن خلال التجربة الجامعية –وهي جزء منا، لا نستطيع استبعادها- وكذا الدراسة الميدانية – في بحث الماستر- وجدنا معظم من يشتكي صعوبة هذا الفن، وضعف همته في الإقبال عليه، يرجع ذلك إلى الطرق التي تدرس بها وحدات علوم الحديث، والذي أكد هذه النتيجة، هو أن معظم توصياتهم، انصبت على ضرورة اعتماد قواعد فن التدريس وتنويع طرقه، في تدريس وحدات هذا العلم.
وهذا يدلك على أن أساتذة وحدات علوم الحديث، أثناء تحضيرهم، أو مطالعتهم ونظرهم في مصنفات أرباب هذا الفن، لا يستحضرون إلا شقا واحدا، لا يسعف أبدا في قدح الملكة الحديثية، ونقل صناعة هذا العلم إلى الطالب، يستحضرون نقل المعرفة؛ التي تعنى بنقل القواعد واستشهادات الأئمة، وذكر أوجه الخلف بينهم فيما يتعلق بالحدود الحديثية، ويغفلون عن لب وجوهر تدريس هذا العلم، وهو نقل منهج بناء تقعيد القواعد بالموازاة مع نقل المعرفة، فالطالب مهما أوتي من حافظة قوية، يستطيع أن يستظهر من خلالها جميع مصطلحات هذا العلم، مع استحضار معظم الخلافات الواردة في مسائله، وعزو كل نص إلى صاحبه، ما صيره ذلك عشر معشار محدث؛ لأنه بكل بساطة لم يأت البيوت من أبوابها، وباب الصنعة والملكة، هو تدريب الطالب على درك مناهج أئمة الحديث في النقد والتعديل والتجريح والتصحيح والتضعيف.

والقارئ يدرك أهمية ما نحن بصدد التنبيه عليه والدعوة إليه، إذا علم أن معظم التراث مفقود، والموجود منه معظمه مخطوط، والمطبوع منه في حيز المخطوط، هذا على مستوى علم الحديث نفسه، أما المصنفات الفقهية والأصولية وكتب التفسير والرقائق (التصوف) التي حوت مئات الأحاديث التي تحتاج إلى جهود جبارة في تخريجها، وتمييز سقيمها من ضعيفها، فذاك مما تفنى دون الأعمار في خدمته، ولست هنا بصدد تبيان أهمية التحقيق وأثره في التعريف بذات الأمة، والخروج بها مما حل بها من أزمات ونكبات في شتى المجالات، ولكنه سيق لضرورة تأهيل من يحمل مشعال هذه الأمانة العظيمة، ولعمري إن الدفاع عن حياض الشريعة وحرس حدودها وخدمة تراثها لا يتأتى إلا بحصول هذه الملكة؛ «لأن النقد الحديثي صناعة لا تتيسر إلا لمن أفنى عمره في دراسة علوم الرواية والدراية. وعليه، فإن من واجب النقاد من المحدثين المعاصرين، وطلبة العلم، الذين يطمحون إلى التمكن من ناصية هذا الفن، أن يضعوا على عاتقهم مهمة تنقية التراث وتصفيته»(أبجديات البحث العلوم الشرعية، د فريد الأنصاري، ص 198).

إن ما يصبو الباحث في هذا المقال إلى تحصيله لن يتأتى إلى من خلال مقاربات ثلاث، نذكرها إجمالا في النقاط الآتي:

أولا: استجلاء المنهج التربوي الذي سلكه المحدثون في نقل الصناعة الحديثية.

ينطلق الباحث في هذا الهدف من مسلمة عليها من الشواهد العلمية والتاريخية، ما يتسع المقام لسردها، مفادها أن العلوم الشرعية منذ نشأتها صاحبها في النضوج والكمال والتأسيس منهج تربوي أسعف في تطوير هذه العلوم والوصول بها إلى مرحلة النضج والاكتمال. فإنه من غير المعقول أن يكون الإبداع والتجديد الذي أسهم في تطوير علم الحديث بعيدا عن منهج تربوي منضبط، متكامل الأسس والأركان.

صحيح؛ أن المنهج التربوي يظل ضامرا في التراث الحديثي، غير واضح المعالم، ولكن لا يصح بحال من الأحوال أن نسلم بأن علماءنا درسوا أو درّسوا ا بعيدا عن هذا المنهج؛ إذ إن ذاك من الادعاء الذي لا توجد عليه من الشواهد ما يجعله برهانا ودليلا تركن إليه القلوب، بل النصوص –وإن قلت- تشهد بخلاف ذلك.

فالهدف الأساس من هذه المقاربة التاريخية، والوظيفة الاستردادية هو استنطاق التجربة التربوية لدى المحدثين، للتعرف على مناهجهم في الرقي بطالب الحديث النبوي وعلومه في سلم حصول الملكة الحديثية.

ثانيا: التشخيص العلمي الدقيق لواقع تدريس وحدات علوم الحديث بالجامعات والمعاهد الشرعية.

إن المقاربة التاريخية تظل عديمة الفائدة في هذا السياق، ما لم تتجاوز ذلك إلى استلهام مقوماتها في إصلاح ما اختل من مناهج تدريس هذا العلم في الجامعات والمعاهد الشرعية، فما من شك أن مسايرة الواقع بمتغيراته ومستجداته، يفرض نفسه علينا أن نعمل أدوات البحث الميداني المحكم، قصد رصد واقع تدريس هذا العلم، للوقوف على مكامن القوة والضعف التي أدت إلى قصور الملكة الحديثية لدى خريجي الجامعات والمعاهد الشرعية. فلا يمكن وضع معالم، ولا رسم خطة عملية، تسهم في الرفع من جودة تدريس هذا العلم، الذي ينتج عنه تكوين الملكة الحديثية، إلا بتشخيص دقيق، لواقع تدريس هذا العلم في الجامعات والمعاهد الشرعية.

ثالثا: وضع منهج متكامل العناصر، يستلهم من التراث ومعطيات التربية المعاصرة.

إن الباحث من خلال هذا الهدف يدعو إلى وضع خطوات عملية، تسهم في التحسين من مخرجات الجامعات والمعاهد الشرعية على مستوى تدريس هذا العلم. فتطوير الممارسة التربوية ، لا يمكن أن تتم على الوجه الأسلم والنهج الأحكم، إلا إذا آمنا بأنه ليس كل ما خلفه أئمة الحديث من نصوص ومواقف تعليمية في ممارستهم التربوية كفيل لوحده بإصلاح مختلف الاختلالات التي تعرفها هذه الممارسة، وهذا الكلام ليس هدما للأسس التي انطلقنا منها، وهي ضرورة الانطلاق من التراث أولا، ثم الانفتاح على ما جد في حقل التربية المعاصرة، كلا. ولكن لإيماني بأن التطور الذي شهده مجال التربية والتعليم، يفرض علينا أن ننفتح بوظيفية، ووعي راشد، وعقيدة راسخة في الاستفادة من الإنتاجات والدراسات التربوية –خاصة علم النفس بمختلف فروعه- التي أجراها غير المسلمين، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. هذا من وجه.

محمد الأطرش

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *