الاقتداء بالرسول سبيل الحياة الطيبة


إن الاقتداء بالنبي  من مقتضيات الإيمان، قال النبي : «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» (رواه البخاري عن أنس)، لذلك كان رسول الله  قدوة لنا في جميع مجالات الحياة، قال الله تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا(الأحزاب: 21)، ولن نتمكن من الاقتداء دون معرفة أخلاقه وحياته وسيرته ، فسيرته مجلية لشخصيته الكريمة وأخلاقه العظيمة.

إن دراسة سيرة الرسول  تجلي لنا خلقه العظيم، وتمدنا بمجالات الاقتداء، وتصور لنا حقيقة الحياة الطيبة القائمة على الإيمان بالله والاتباع لرسوله .

وسأحاول بيان ما تيسر من خلقه العظيم ، ثم بيان بعض مجالات الاقتداء، ثم آثار ذلك في تحقيق الحياة الطيبة.

أولا: من خلقه العظيم .

لقد كان رسولنا الكريم  على منزلة عظيمة من الخلق بينها القرآن الكريم في قوله تعالى: وإنك لعلى خلق عظيم(القلم: 4)، فكان خلقه  سببا في إسلام كثير من الناس، حيث أعجب بأخلاقه الصغير والكبير والرجل والمرأة والحر والعبد؛ لأنه  كان يعامل الناس برفق ولين ويتحمل ويصبر ويعفو ويصفح، فملك قلوب الناس وعقولهم.

وهذه نماذج من أخلاقه :

1 – صبره : إن صور صبره  كثيرة ومتنوعة بتنوع المواقف والأحداث، فقد صبر  على الاضطهاد والتعذيب، كما صبر على الإيذاء والتجويع، وصبر على السخرية والاستهزاء الذي لحقه من قومه، ولم يكن هذا الصبر خلال ساعات أو لحظات، بل امتد طيلة الثلاثة عشر عاما التي قضاها في مكة، لذلك سأختار قصة صبره على الجوع نظرا لكثرة النماذج والمواقف التي تجلي صبره :

أخرج أبو نعيم في الحلية والخطيب وابن عساكر عن أبي هريرة  قال: “دخلت على النبي  وهو يصلي جالسا فقلت يا رسول الله أراك تصلي جالسا فما أصابك؟ «قال الجوع يا أبا هريرة»، فبكيت، فقال: «لا تبك يا أبا هريرة فإن شدة الحساب يوم القيامة لا تصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا»”.

2 – رحمته : عرف رسول الله  بخلق الرحمة في جميع أعماله، ومع جميع الناس حتى الأعداء؛ عاملهم الرسول  بخلق الرحمة، بل رحمته شملت حتى الحيوان والنبات، قال تعالى: فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم…(آل عمران: 159). وقد يفقد الرحماء رحمتهم في مواقف وأحداث تقتضي القسوة والانتقام، لكن رسول الله  يتعرض لأصناف من الأذى والقسوة فيقابل ذلك بالعفو والصفح رحمة بقومه ورجاء في إسلامهم، فقد آذاه أهل الطائف وضربوه فصبر وتحمل وهو يقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».

ويشعر بالرحمة  عند فراقه لولده إبراهيم، وتدمع عيناه فيقول له عبد الرحمان بن عوف: “أي رسول الله هذا الذي تنهى الناس عنه متى يرك المسلمون تبكي يبكوا، قال: «إنما هذا رحم وإن من لا يَرحم لا يُرْحَم، إنما أنهى الناس عن النياحة وأن يندُبَ الرجل بما ليس فيه»”.

ولم تقتصر رحمته  على الإنسان بل شملت الحيوان أيضا، فكان أرحم الخلق به، ينهى عن تعذيب الحيوان واتخاذه للهو والعبث، ويأمر من يريد الذبح أن يحسن الذبح رحمة بالحيوان.

3 – حلمه : كان رسول الله  أحلم الناس، يعفو عن الجاهل، ويصفح عن قومه لما آذوه، ولا ينتقم لنفسه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما ضرب رسول الله بيده خادما له قط ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله” (رواه أحمد).

4 – كرمه : أما كرمه  فقد فاق كل كرم، كان أجود بالخير من الريح المرسلة، أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة”.

وكان رسول الله  لا يرد سائلا، فعن جابر بن عبد الله قال: “ما سئل رسول الله  شيئا قط فقال لا”. وكان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، فقد “أتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة”. (رواه أحمد).

5 – تواضعه :  من تواضعه  مساعدة أهله في أعمالهم، كان لا يتميز عن أصحابه بموضع ولا بمكان مرتفع، وكان يكره الإطراء والألقاب، وإذا تصدق وضع الصدقة بيد المسكين، وإذا أقبل جلس حيث ينتهي به المجلس، وكان يذهب إلى السوق ويحمل بضاعته بنفسه ويقول: «أنا أولى بحملها».

ثانيا: نماذج في مجالات الاقتداء.

تعرفنا في المحور الأول على بعض من أخلاق الرسول  كالصبر والحلم والكرم، ونحاول أن نجلي هذه الأخلاق وغيرها في مجال من مجالات الحياة للاقتداء به ؛ لأنه القدوة في كل المجالات، والأسوة لكل الأفراد والجماعات، وهو النموذج الذي ينبغي أن يحتذى به في كل الوظائف والمؤسسات من أجل تحقيق الحياة الطيبة.

1 – الاقتداء به  في عبادته وزهده:

فقد كان  عابدا متقربا إلى الله بكل الطاعات والقربات الشاملة لجميع مجالات الحياة من تربية وتعليم وبر وصلة وصدقة ومواساة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر…

ولم يكن في عبادته غلو ولا رهبة، بل اتصف بالتوازن والاعتدال واليسر ورفع الحرج والمشقة، قال : «صلوا نشاطكم فإن الله لا يمل حتى تملوا»، وقال أيضا: «يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا».

2 – الأب الرحيم والزوج الحكيم:

كان رسول الله  أبا رحيما يشفق على أبناءه وأبناء الصحابة جميعا، يقبلهم ويلعب معهم، ويحرص على تعليمهم: «يا غلام سم الله…»، وكان يعين أهله ويقضي حاجاتهم بنفسه، وكان لا يضرب خادما ولا يعنفه، ولا يحمله من الأشغال أكثر من طاقته.

وكان رسول الله  زوجا ودودا حكيما، يعدل بين الأزواج، ويوصي بالنساء خيرا، ويجعل الخيرية في إكرام الأهل، قال : «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».

3 – المعلم والمربي القدوة:

لقد أسس النبي  لقواعد العلم وأساليب التربية، وأخرج أمة اتصفت بالعلم والتربية وحسن الخلق، فمن الأساليب التربوية النبوية لتعليم الأجيال وتقديم القدوة ما يلي:

أ – التربية بالقدوة: فهو  القدوة لأصحابه يرون فيه النموذج والمثال الذي يحفزهم على العمل والاستجابة لما يطلبه منهم.

ب – الحوار والمناقشة: وهو أسلوب تربوي مؤثر ومشوق للمتعلم، فمرة يسألهم  عن الجار، وأخرى عن المفلس، أو من المسلم؟…

ج – الموازنة العقلية وضرب الأمثلة: وهي من الأساليب التربوية التي تقرب المعلومة من المتلقي وتحل إشكالاته، ويقبل النصيحة عن اقتناع، ومن أمثلة ذلك معالجة إشكالية الرجل الذي طلب من الرسول  الإذن في الزنا، وكيف تدرج معه النبي  في الإقناع بترك الزنا،…

ثالثا: الاقتداء بالرسول  سبيل الحياة الطيبة.

إن الاقتداء بالنبي  يحقق للمسلم الحياة الطيبة القائمة على رضا الله تعالى وتوفيقه ونيل الدرجات في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الفوائد والنتائج التي يجنيها العبد المقتدي برسول الله :

1 – نيل محبة الله تعالى: قال الله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم(آل عمران: 31).

2 – الهداية والفلاح: قال الله تعالى: وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين(آل عمران: 132).

3 – الفوز بالجنة: قال النبي : «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى. قالوا يا رسول الله ومن يأبى؟، قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى» (رواه البخاري).

4 – النجاة من الزيغ والضلال: قال النبي : «قد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» (رواه ابن ماجه وصححه الألباني).

5 – تحصيل مكارم الأخلاق: التي تجمع معنى الصلاح والخير كله، عن أبي هريرة  قال، قال رسول الله : «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» (أخرجه أحمد).

فما أحوجنا إلى الاقتداء بالنبي  في كل المجالات لتحقيق الحياة الطيبة، وإن الأمة اليوم في أمس الحاجة إلى معرفة سيرة نبينا الكريم والاقتداء به في أخلاقه: في صبره، في كرمه، في حسن خلقه، لنرتقي بالأفراد والجماعات والمؤسسات إلى الحياة الطيبة الكريمة.

 د. حميد السراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *