افتتاحية – أما الإعلام الإسلامي فلا بواكي عليه…


الإعلام رسالة الأمة ولسانها المفصح عن حالها، والمعبر عن طموحها وآمالها، والمعالج لمعضلاتها وآلامها، والإعلام مضمار مواهب وإبداعات الأمهات والآباء، ومدرسة إيقاظ همم الكبار من الرجال، وصناعة الأجيال وفق أصول مرجعية الأمة للإسهام في حل المشكلات الواقعية والتفكير في المعضلات المستقبلية.

والإعلام في الأمة الإسلامية -فوق ما سبق- رسالة دينية، ووظيفة دعوية، ومدرسة تربوية وتعليمية، أصبح في عصرنا من ضرورات الحياة ومقومات الوجود، ومستلزمات التدافع، وهو واحد من القوى التي أمرت الأمة بإعدادها لحماية بيضتها، وصيانة هويتها، وهداية الناس إلى الحق الذي أمرت بتبليغه.

والإعلام الإسلامي إعلام أخلاقي يلتزم بما يدعوه إليه الإسلام من الآداب الفاضلة من الصدق وتحري الحقيقة، ونشر الكلمة الطيبة، وبث كل ما يصحح المفاهيم ويبني التصورات، ويرشد السلوكات وينصح بالتي هي أحسن.

إنه بمثابة ميزان الحرارة يشخص واقع الأمة بأمانة، ويعكس ما تعانيه من معضلات وما تشهده ساحتها من تسابق في الخيرات وتنافس في المبادرات، ويقترح ما يلزم من ذلك من حلول ومقترحات.

غير أن الإعلام الإسلامي رغم قيمته الذاتية وضرورته الواقعية؛ فإنه منذ محاولات نهوض هذه الأمة وهو يعاني من كبوات ومعضلات:

أولها: أنه إعلام ليس له من يسنده إلا قلة قليلة حملت هموم الأمة من بعض المحسنين وبعض المؤسسات ممن ناءت كواهلهم بأعباء الأمة الأخرى، مما قلل من حضوره في الساحة الإعلامية وقلل من حظوظه في المنافسة والمواكبة.

ثانيها: أنه إعلام لم يحظ بالحضور الكافي في الساحة التعليمية الأكاديمية ومعاهد التكوين في مجال الإعلام والصحافة مما قلل فرص التعرف على مقوماته العلمية والنظرية أمام أبناء الأمة، وفوت عليها تكوين خبراء إعلاميين على المستوى الفكري والعملي المهني والتقني بإمكانهم سد الخصاص وكفاية الأمة هذا الهم.

وإنه رغم الجهود التي بذلتها كثير من الجهات الرسمية والفردية في بلدان العالم الإسلامي في تأسيس مؤسسات إعلامية مكتوبة ومرئية وعلى الشابكة لخدمة الإعلام، ورغم ما بذله القائمون عليها من جهود طيبة في التوعية بالإسلام وبحلوله لمشكلات الفرد والمجتمع إلا أن هذا الإعلام لم يجد مكانه المناسب في ساحة التدافع، ولم يرق إلى مستوى الاستجابة لتحديات الأمة، لأن كثيرا منه أجهضت أحلامه، وطويت صحيفة عمره قبل استكمال مهمته وعمله، فكم من جريدة أقبرت، وبقي الثغر الذي كانت تسده فارغا!! وكم من قناة قطع إرسالها وتوبع رجالها، وطوي ذكرها عن أجيالها!! وفي المقابل كل يوم يولد منبر إعلامي ليقوض أركان الإسلام، ويبث ما يناقض ما في الإسلام من الحلال والحرام، وينقَضُّ على ما بناه الغيورون من الأحلام…

إن الإعلام ثغرة عظيمة قل من يسدها، ورسالة جسيمة ندر من يحملها بالشكل المطلوب. ولعلي لا أبالغ إن قلت إن الذين يفرحون لسقوط منبر إعلامي إسلامي أكثر من الذين يألمون!! وإن الذين يبادرون للإنفاق على كل إعلام هجين أَثْبَتُ في مواقفهم ومواقعهم من الذين يُدْعَوْنَ للإنفاق على إعلام الأمة من أبنائها!! فهل يصح أن نقول: إن الإعلام الإسلامي لا بواكي عليه!؟

إن أمانة إقامة إعلام إسلامي أمانة الأمة كاملة؛ أمانة تطوق أعناق أبنائها من العلماء المفكرين والباحثين، وأمانة يسأل عنها من استخلفهم الله تعالى في ملكه وأنعم عليهم بنعمة المال، وأمانة أيضا مودعة بين يدي المسؤولين والقائمين على الشأن العام، وأمانة جمهور الأمة من المثقفين وعموم القراء.

ورغم كل ما سبق ذكره من السلبيات والمعيقات فلا يزال الخير في أبناء الأمة ما بقي الإيمان، ولن يزول الخير من هذه الأمة وفيها مؤمنون وغيورون، وفيها رجال صادقون… كيف وقد أخبر رسول الله  ببقاء أمته على الخير فقال: «ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيماً حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله». (رواه البخاري ومسلم). وقال رسول الله : «أمتي كالمطر لا يدرى الخير في أوله أم في آخره» (رواه الترمذي وحسنه).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *