إلى أن نلتقي – الخطب المنبرية… والدور المنشود (5)


مراعاة مقتضى الحال ودوره في الإقناع والتأثير

يعد مبدأ مراعاة مقتضى الحال مبدأ أساسيا في إفهام المخاطَبين، كيفما كان حال المقام الخطابي. ذلك أنه لا إقناع ولا تأثير في المخاطَبين، ولا اقتناع ولا تأثُّر من قِبَلهم دون إفهام الخطيب لهم، ودون فهمهم وتفهُّمهم هم أيضا لما يقوله الخطيب. فمدار البيان كما يقول علماء البيان على الإفهام والتفهُّم وعلى البيان والتبَيُّن. ومن ثَمَّ فإن مبدأ مراعاة مقتضى الحال يقتضي من المتكلم معرفة ما يتعلق بأحوال السامعين ومستوى إدراكهم لما يقوله لغةً ومضمونا وسياقا ومَقاما.

ولعل من مسلمات مبدأ مراعاة مقتضى الحال أن يكون المتكلم على علاقة وطيدة بالمخاطبين، بمعنى أن يكون أحد أفراد مجتمعهم المعروفين؛ لأن ذلك أدعى إلى الإفهام والتفهم؛ لأن المتكلم إذا كان كذلك، فإنه يُفترض أن يكون أعرف بالمخاطبين وبعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم.

ومن أجل ذلك كان كل رسول يبعث إلى قومه الذين يعرفهم ويعرفونه. ولقد أوضح القرآن الكريم هذا الجانب باستعماله لمفردات تفيد هذا الرباط الوثيق بين الرسول والمرسَل إليهم. ومن هذه المفردات: الأخ والصاحب. كالذي نجده في قولـه تعالى: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا وقوله : وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا، وقولـه سبحانه مخاطبا مشركي مكة: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ.. إلى غير ذلك من الآيات التي تؤكد هذا المبدأ الأساسي في التواصل والتفاهم.

وأما اللغة فإني لا أقصد الفصحى والدارجة، فالفصحى درجات، والعامية هي الأخرى درجات، وإذا كانت خطبة الجمعة قد شُرِعَت للوعظ وإرشاد الناس إلى ما فيه خير الدارين، فإن ذلك لا يَتِمُّ إلا إذا كانت باللغة التي يفهمها عامة المخاطَبين، ومن ثم وجب تجنُّب الغريب والسجع في الفصحى، بقدر تجنُّب العامي المرتذَل إن أراد الخطيب تقريب المعاني من أذهان السامعين، فالخطبة رسالة، ورسالة جميع الأنبياء كانت بألسنة أقوامهم؛ قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ. واللسان هنا لا يقتصر على اللغة في إطارها العام فقط، ولكن أيضا في بنيتها المعجمية والتركيبية. ولهذا كان رسول الله  يخاطب كل قوم بما يسهل عليهم فهمه، تبعا لمستويات إدراكهم. ففي كتبه  إلى ملوك الأرض في ذلك الوقت، نجد تفاوتا لغويا واضحا؛ لأن الملك العربي البدوي، لا يمكن أن يخاطَب بنفس المستوى التعبيري الذي يخاطَب به ملك أعجمي لا يفهم ما يقال له بالعربية إلا عن طريق الترجمة. كما أنه  خاطب كثيرا من العرب باللغة التي يفهمونها؛ فلقد روي أنه حينما سأله بعضهم بلهجته قائلا: “هل من أمبر أمصيام في أمسفر؟”، رد عليه الرسول  بقوله: «لَيْسَ مِنَ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ»(1)، وذلك حتى يتمكن السائل من فهم الحكم الشرعي الذي سأل عنه بوضوح تام. كما روي عنه   أنه ردَّ على وافد بني نهد بخطبة تضمنت ألفاظا غريبة؛ لأن خطبة الوافد كانت كذلك(2). ولعل خلاصة هذه المواقف كلها تبدو في قول علي : “حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ”(3).

ويدخل في مراعاة مقتضى الحال، مراعاة مشاعر السامعين، حتى ولو كان الأمر يتعلق بفرد واحد؛ خاصة إن كان الأمر يتعلق بنصيحة أو بانتقاد سلوك ما. ومما يدل على ذلك؛ ما حدث للعامل الذي استعمله الرسول  “عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَهُ الْعَامِلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الَّذِي لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ : «فَهَلَّا قَعَدْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ، فَنَظَرْتَ أَيُهْدَى لَكَ أَمْ لَا؟»، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ   عَشِيَّةً بَعْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَتَشَهَّدَ وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: “أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ الْعَامِلِ نَسْتَعْمِلُهُ فَيَأْتِينَا فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ عَمَلِكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟ فَهَلَّا قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرَ هَلْ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا…(4)”. حيث يلاحظ أن الرسول  قد وجه الخطاب للمعني بالأمر مباشرة حينما كان منفردا، بينما ذكره بصيغة الغائب حينما كان بحضرة الناس.

وفي ختام هذه الحلقات الخمس التي ذُكرت تباعا في هذا العمود، يمكن القول إن ما ورد فيها من قضايا -على وجازته واختصاره- يشكل أسسا لا بد منها في الخطب المنبرية حتى تؤدي دورها المطلوب، وإلّا كانت مجرد كلام يُلقى على سامعين قلَّ من يفهم مراده.

أ.د. عبد الرحيم الرحموني

——————-

1 – مسند الحميدي: 888.

2 – ينظر نص الخطبة في: معرفة الصحابة، لأبي نعيم: 3974.

3 – صحيح البخاري: حيث رقم: 127.

4 – سنن الدارمي، حديث رقم: 1711.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *